الذكرى ال 18 لرحيل أمير الذباب الحاصل على نوبل:

3 روايات لم تنشر حتى الآن ل " ويليام غولدنغ "

* الرايــة القطـريــة




يحل اليوم ذكرى وفاة الكاتب البريطاني ويليام غولدنغ الحاصل على جائزة نوبل للآداب، اشتهر غولدنغ بكتابته رواية أمير الذباب، ولد غولدنغ في محافظة كورنويل، جنوب غرب انجلترا ودرس العلوم الطبيعية في جامعة أكسفورد لسنتين قبل أن يغير اختصاصه إلى الأدب الإنكليزي. تزوج في عام 1939، وأنجب طفلين.

أصدر غولدنغ، "أمير الذباب" في عام 1954. تتحدث الرواية عن مجموعة من الأولاد، تتراوح أعمارهم بين الخامسة والرابعة عشرة من العمر، تتعرض طائرتهم لنيران طائرات العدو خلال حرب خيالية، ولم ينج أحدٌ من البالغين. تبدأ الرواية بترتيب الأولاد لأنفسهم، ولكن لا تلبث شخصياتهم بالتحول إلى وحشية، وتبدأ البدائية بالظهور عليها. أصيب غولدنغ بأزمة قلبية، أدت إلى وفاته.

اعترافات الروائي "وليم غودنغ".


شوكوماكو قال جون كيري استاذ الأدب الانكليزي في جامعة أوكسفورد البريطانية إن الروائي البريطاني الشهير وليم غولدنغ كتب في إحدى رسائله إلى زوجته أنه حاول اغتصاب فتاة في الثالثة عشرة من عمرها. واعترف صاحب نوبل لسنة 1983 أنه كان يزرع الفتنة بين أصدقائه الصغار ويحفزهم على المشاحنة مع بعضهم. وجاءت اعترافات غولدنغ خلال رسائل كان يكتبها لزوجته كي يشرح لها الكيفية التي تطورت فيها طبيعته "الوحشية" ومالت في إحدى المراحل نحو الشر.

وذكرت ميدل أونلاين أن جون كيري قال إنه اطلع على أرشيف غولدنغ السابق وغير المعروف للكثير من النقاد والباحثين، فاكتشف أنه كتب ثلاث روايات لم تنشر حتى الآن، بالاضافة إلى أعمال أدبية تتعلق بسيرته الذاتية وضعها قبل نحو 20 سنة على وفاته. ويذكر أن وليم غولدنغ ولد في عام 1911 وتوفي في عام 1993 وأصدر عددا من الروايات الشهيرة، أهمها "أمير الذباب" و"السقوط الحر" والورثة" و"ألاله العقرب".

لماذا فاز وليم غولدنغ بجائزة نوبل.

لربما يظل هذا السؤال يتردد عليك بإلحاح وأنت تطالع رواية (لورد الذباب) فاللغة هي نفسها لغة وليم غولدنغ في رواياته الأخرى مثل (السقوط الحر)، (الورثة)، (الإله العقرب) وغيرها، ويطرح الناقد وليد الشيبي سؤالاً هاماً من خلال إحدى مقالاته الادبية يحاول من خلاله تفسير. لماذا فازت هذه بالذات ؟! ويرى ان التساؤل لا يقف عند هذا الحد بل تطرح المقارنة نفسها بداخلك وأنت تواصل المطالعة (ان السقوط الحر كان أهم وأخطر عمل روائي له على الأقل أهم منها فعجباً كيف فازت هذه ؟!) ، وتظل تلك التساؤلات تطغى على تفكيرك قبل ان تكتشف ما خبأه غولدنغ كلؤلؤة بين ركام الأصداف البخسة، نعم.. سرعان ما تدخل الرواية في منحى جديد وخطير، إن المغزى من إعادة كتابة رواية مشهورة ومعروفة للكاتب روبرت مايكيل بالانتاين (1825 - 1894) وهي رواية (جزيرة المرجان) رغم عدم بعد الفترة الزمنية بين العملين. يجعلنا تقف في محاولة لفهم سبب إعادة الكتابة مرة أخرى حول ذات الموضوع.

ففي الوقت الذي كتب الأخير روايته لتسلية الصغار لا غير، كان غولدنغ قد تناولها من منظار آخر وعالجها معالجة مختلفة، رغم الإبقاء على الشخصيتين الرئيسيتين في الرواية (رالف) و(جاك) ، لكن هاتين الشخصيتين مختلفتين تماماً في العملين.

الرواية ببساطة تتحدث عن حصول حادث أدى إلى وصول العديد من الصبية والأطفال إلى جزيرة نائية وغير مأهولة، وبعد ان يجتمع هؤلاء الأولاد والأطفال يتفقوا على العمل سوية لغرض العيش معاً والبقاء على قيد الحياة في هذه الجزيرة النائية وبنفس الوقت البدء بمحاولات الانقاذ على الجزيرة، لعل سفينة ما تأتي وتعثر عليهم. حيث وضعوا قوانين وقواعد الجزيرة لا يجوز خرقها وتم قبلها انتخاب الرئيس من بينهم بالتصويت، فمنذ البداية تشعر بالتنافس بين (رالف - يبلغ من العمر 12 سنة وبضعة أشهر)، و(جاك ميريديو) على الزعامة، مَنْ سيكون زعيماً لهؤلاء الصبية والأطفال؟ إلى ان يُجمع هؤلاء على اختيار رالف زعيماً لهم، ولأسباب وجيهة طبعاً، إذن أنت تشعر بالبراءة كلها موجودة هنا فضلاً عن التنظيم، وهم أطفال مدرسة بريطانيون، فكيف لا يكونوا كذلك ؟! لكن ماذا يضمر لنا غولدنغ في النهاية؟!، الحقيقة منذ البداية يجلب انتباهك صبي طريف وفكاهي رغم انه لم يقصد ان يكون كذلك وبرغم انه كان اذكى هؤلاء بجسمه البدين ونظارته الطبية وصعوبة تنفسه، أو (حذره الزائد والدائم !) رغم انه كان اخطر الاطفال والصبية على هذه الجزيرة لنظرته الثاقبة، حتى ان الزعيم رالف لكثرما كان يعتمد عليه بقصد أو دون قصد ؟! وتظهر أهمية هذا الصبي البدين جلياً في نهاية الرواية عندما يكون الزعيم رالف مطارداً وحده في الجزيرة من قبل البقية الذين انقلبوا عليه وأرادوا قتله!، فبعد مقتل خنّوص (الصبي البدين) بحادث مؤسف، لم يجد رالف العقل المفكّر الذي ينقذه والبقية من الأزمات والمحن.

رالف (... كان قد بلغ السن الذي أفقده تكّور بطن الطفولة، أثنتي عشرة سنة وبضعة أشهر، مع أنه لم يبلغ سن المراهقة الأمر الذي كان سيشعره بالارتباك. يمكن أن ترى الآن أنه قد يصلح لأن يكون ملاكماً، فكتفاه عريضان وثقيلان لكن رقة مرتسمة حول فمه وعينيه بيّنت أنه لم يكن شريراً...) يقول رالف لخنّوص بعد أن أنبهر الأخير بسبب مهارته في السباحة: (بدأت السباحة وأنا في الخامسة. علّمني أبي، أنه قائد في البحرية).

أما القوقعة (أو المحارة) التي أصبحت رمزاً مهماً وعنواناً لزعامة (رالف) على البقية وتفوقه على (جاك ميريديو) حيث (... كان شيء أصفر ينطرح بين الأعشاب الخنشارية... كانت القوقعة مثيرة للأهتمام ، جميلة، ولعبة طريفة، ... كان لون القوقعة عميق الصفرة كما تناثرت عليها هنا وهناك بقع وردية، ذابلة. وامتدت بين الحافة المشقوقة على شكل ثقب صغير وبين الشفاه الوردية الفوهات ثماني عشرة بوصة من صدفة ملتوية التواءً حلزونياً طفيفاً ومغطاة بنموذج من نقوش بارزة. هزّها رالف وأخرج الرمل من انبوبها العميق، ومنذ البداية تلاحظ التنافس بين رالف (الممثل للقانون، التنظيم -الأسلوب والنهج السياسي) وجاك ميريديو (الممثل للقوة -الأسلوب والنهج العسكري)، وهكذا طوال الرواية نجد الشد والجذب بينهما، فبعد ان تم انتخاب رالف منذ البداية كزعيم لهم (الشرعية القانونية لزعامته) الا ا نجاك ميريديو (ومن معه - فريق الصيادين - القوة العسكرية)، كان دائم التذمر ويستهزئ بأساليب رالف المتحضرة والتزامه بالثوابت والقواعد السلوكية المتفق عليها!

وهكذا تجلَّت سياسة الزعيم رالف في أمرين هامين (أمتلاك المحارة للحديث) وهي بمثابة (صولجان الحكم) لمن يمتلكها (ودليل شرعية زعامته !)، فمنذ البداية تم الاتفاق على وجوب أن يستأذن كل من يطلب الحديث منهم أمام الجميع وأن يتكلم من خلال هذه القوقعة (او المحارة) والشخص الذي يمتلك المحارة فقط من يحق له الكلام ولا يجوز مقاطعته ، الا اذا امتلك بدوره تلك المحارة !، والأمر الهام الآخر، هو إبقاء النار مشتعلة، وهكذا بالفعل مرّت سفينة في إحدى المرات فيما كانت الشعلة منطفأة، وقد حمّل رالف مسؤولية ذلك لجاك ميريديو وفريق الصيادين! لأنهم كانوا منشغلين بصيد الخنازير، اذن الأصطدام كان لا بد منه، وقد وقع، هذا يتمسك بزعامته والمتآتية من شرعية الانتخاب وامتلاك المحارة، وذاك يؤكد على امتلاكه القوة وأنه ورفاقه سبب بقائهم على قيد الحياة وعدم الاكتفاء بأكل الفواكه فقط، الاصطدام المحتوم قد وقع في إحدى الاجتماعات أصطدم رالف بجاك ميريديو (ص 161 - 162)، حيث طالب جاك ميريديو بإقالة رالف من الزعامة وانتخابه بدلاً عنه ! لكنه أفق في إقناع البقية، وهكذا أنشق وحده عن البقية وغادر إلى مكان آخر في الجزيرة وبمرور الوقت تسلل إليه البقية من رفاقه الصيادين وهكذا أنقسمت الجزيرة إلى معسكرين، معسكر رالف الشرعي والذي يمثل النهج السياسية والقانوني والشرعية الديمقراطية، ومعسكر جاك ميريديو والذي يمثل القوة (العسكرية) (الصيادين) و(شرعية) القوة والقهر والإجبار (شريعة الغاب) ! وهكذا تتسارع الأحداث بطريقة متواترة وتتصاعد فيتحول الصبية إلى مجرّد آلات منفّذة لإرادة الزعماء وبالذات في معسكر جاك ميريديو، بعد ذلك نرى موت خنوّص البدين (العقل المفكر ومحط سخرية الجميع !) لسقوط صخرة ضخمة فجأة عليه من الأعلى فهشّمت جمجمته وأخذته معها إلى قاع البحر وتهشّم المحارة معه ايضاً، ليس هذا فحسب بل أصبح أسلوب معسكر جاك ميريديو هو الطاغي في الجزيرة.

ومن هنا يفسر الناقد وليد الشيبي فوز هذا العمل الأدبي الرائع بتلك الجائزة العظيمة حيث تتجلّى روعة وعبقرية غولدنغ. ونجد الإجابة أخيراً ، لماذا فازت هذه الرواية بالذات بجائزة نوبل للآداب.