أختي الفاضلة النبيلة الأديبة:
[ رذاذ عبد الله ]
حفظكِ الله ورعاكِ
لم نشارك في هذا الموضوع إلا لنتعلم من بعضنا بعضا
فما نحن إلا إخوة وأخوات نكمل بعضنا بعضا
فذاك ينصح وآخر يناقش وتلك تُعقِّب وتبين وآخر يُخطِأ فيُقوّم ويُوضَّح له
بكلِّ أدبٍ واحترامٍ وتوقيرٍ وتقدير ٍ
بكلِّ صفاء وقلبٍ طيب ونقاء
أختي الكريمة القديرة:
انسحابك هذا هو لكِ لا عليك ِ
فهو يدلُّ على مراقبتكِ لله وخشيتكِ له وإيمانكِ به
فهي منقبة وأي منقبة
فأسأل الله الكريم أن يجعلكِ امرأةً صالحةً تقيةً نقيةً
وأن يرزقكِ من حيث لا تحتسبين
اللهم آمين
وقبل أن أختم الموضوع أُحبّ أن أبسط القول في الموضوع بشكل عام
فكما تقدم المسألة خلافية بين أهل العلم قديما وحديثا
قولان مشهوران
القول الأول : وجوب تغطية الوجه
القول الثاني : لا يجب ولكن يُستحب لها أن تغطي وجهها
والفرق بين القولين :
من قال بالوجوب : إن كشفت وجهها فهي آثمة
ومن قال بالاستحباب : إن كشفت وجهها خالفت الأولى والأفضل
ولكلَّ قول منهما أدلة من المنقول والمعقول
ولو تكلمنا عن أدلتهم ومستند أقوالهم لن ننتهي , ولذ سأقتصر على دليلين لكلِ قول
أدلة القول الأول :
1 ـ وقوله تعالى: " أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا "
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة»
قالوا : هذا تفسير صحابي وتفسيره أولى وأحرى
2ـ قوله صلى الله عليه وسلّم: «إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر منها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبة وإن كانت لا تعلم».رواه أحمد.
قالوا : محل الزينة والجمال الوجه , فدل على أنَّ غير الخاطب لا يحل أن ينظر إلى الأجنبية عنه .
ومن أراد التوسع لهذا القول فليرجع إلى كتيب مختصر في هذا الموضوع اسمه[ رسالة في الحجاب ] للشيخ ابن عثيمين رحمه الله
أدلة القول الثاني :
1ـ قوله تعالى : " وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ "
قالوا المراد من " إلا ما ظهر منها "
الكف والوجه
2 ـ عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال:
((شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئاً على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس، وذكَّرَهم، ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن، وذكَّرَهنَّ، فقال: تصدقن فإن أكثركنَّ حطبُ جهنم، فقالت امرأة من سِطَةِ النساء [أي جالسةٌ في وسطهن] سفعاء الخدين [أي فيهما تَغَيرٌ وسوادٌ] ، فقالت: لِمَ يا رسول الله؟
قال: لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير، قال: فجعلن يتصدقن من حليهن، يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتمهن)) رواه مسلم.
قالوا : كيف أستطاع الراوي أن يصف وجه المرأة إلا أنها كاشفة لوجهها وهذا ظاهر بين.
ولهم أدلة كثيرة
ومن أراد التوسع فليرجع إلى كتاب [ جلباب المرأة المسلمة ] للشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله ثم إنَّ هذا الشيخ رحمه الله ردَّ عليه بعض أهل العلم بل أحدهم تجاوز واتهمه بأنه يدعو إلى السفور والله المستعان
فألفَّ كتابا خاصا في ردِّ عليهم وسماه [ الرَّد المفحم على من خالف العلماء وتشدد وتعصب، وألزم المرأة أن تستر وجهها وكفيها وأوجب، ولم يقنع بقولهم: إنه سنة ومستحب ] ويقع في مجلد متوسط الحجم
ولو لاحظ أحدنا أدلة القولين لوجد بعض الأدلة واحده لكن يختلفون في فهم النص وتوجيهه إلى المعنى المراد
والذي أدين الله به واعتقده أنه أقرب إلى الصواب هو القول الثاني , فتغطية المرأة وجهها أمر مطلوب مندوب لكن لا يصل إلى درجة الوجوب
لكن هنا أمر مهم ومهم جدا
إن وضعت المرأة على وجهها زينة من مكياج أو كحل ونحو ذلك فيجب عليها أن تغطي وجهها قولا واحدا عند كافة العلماء
ولكن أبتلينا في هذا العصر من بعض الناس الذين يتبعون الرخص , فبمثل هذه المسألة يأخذون لفظت يجوز ولا ينظرون إلى الشروط والضوابط التي يذكرها أهل العلم
فتكشف بعض النساء وجهها وتقول هذا الأمر جائز وتجد في وجهها أنواعا من الزينة والمكياج والكحل
فهل حققت كلام أهل العلم الذين أجازوا للمرأة كشف وجهها ؟
طبعا الجواب: لا
وينبغي لها أن تراجع نفسها وأن تتق الله ظاهرا وباطنا
تنبيه هام :
وليعلم الإخوة والأخوات
أنَّ جلّ مسائل الفقه والعبادات والمعاملات خلافية بين أهل العلم من عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يومنا هذا
فما هي الأسباب التي أدت إلى الخلاف بين العلماء ؟
أقول باختصار :
· قديما لم تكن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم قد دونت وجمعت في الكتب وإنما كانت محفوظة في صدور الرواة وذلك في عهد الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة
فقد يجوز أحد الأئمة شيء ولا يعلم أن هناك حديثا منع منه لعدم وصوله ذلك الحديث
وقد يمنع أحد الأئمة شيء ولم يعلم أن حديثا جوز ذلك الشيء لعدم وصوله إليه ..
· قد يصل إلى هذا العالم الحديث ولكن لا يعمل به لضعف وعدم قبول راويه
والعكس فقد يصل هذا الحديث عالما آخر ويعمل به لثبوته عنده لأن الرواي ثقة
· قد يعمل أحد العلماء بآية أو حديث ولا يعلم أن هذه الآية أو الحديث قد نسخ وتغير حكمها
لعدم وصوله الناسخ
· اختلاف الافهام لهذه الآية أو لهذا الحديث فالعالم الفلاني يفهم كذا ولآخر يفهم كذا وهذا يقع كثيرا
هذا مجمل أسباب خلاف العلماء
لكن هذا الخلاف لم يؤدي إلى النزاع والشقاق , لأنه خلاف ليس بمذموم وإنما كل عالم يجتهد لمعرفة الحق مع الاحتلام وتوقير الطرف الآخر
ولو كان مذموما لما وقع من الصحابة رضي الله عنهم
وإنما الخلاف المذموم ما كان في الاعتقاد وأصول الدين
لكن
ما واجب علينا نحو هذا الخلاف الفرعي الفقهي بين أهل العلم؟
الجواب :
الناس صنفان :
صنف ليس عنده أهلية للنظر في مسائل الفقه ومعرفة الحق والصواب
فهذا يجب عليه أن يسأل العالم الذي يثق بدينه وعلمه
فمذهب العامي مذهب مفتيه
فتبرأ ذمة هذا الصنف بهذا السؤال
وصنف عنده أهلية النظر في مسائل الفقه لكونه متخصص ودرس وتعلم أصول العلم الشرعي فهذا يجتهد لمعرفة الحق لأنه عنده قدرة للتميز
وهذا يجب عليه أن يعلم الناس ويبصرهم أمور دينهم وِفَق الأدلة الشرعية
ودليل هذا التقسيم قوله تعالى : " فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ "
وأهل الذكر هم أهل العلم
فهم صنفان من يعلم ومن لا يعلم
فأوجب الله على من لا يعلم أن يسأل من يعلم
وفي الختام
أشكر المشرفين المتميزين
[ سري للغاية و نادرة الوجود ]
على إتاحة هذه الفرصة , وحسن ظنهم بنا
ولو شكرناكم من اليوم إلى الغد لم نوفي حقكم
فسأل الله أن يبارك فيكم وأن ينفع بكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته