دراما رمضانية حيّة
خيري منصـور
* دار الخليـج
ستنافس الدراما العربية الحيّة التي تبثّ على مدار الساعة بالذخيرة الحية، والدم لا الماء المصبوغ، سابقاتها الرمضانيات، فهذا العام كسر المتوالية التقليدية لكل التقاويم، لهذا لا حاجة للناس إلى أن يعدّوا لياليهم بالحلقات المتخيلة التي كتبها سينارست، مادام هناك واقع أصبح هو السينارست بامتياز . وإذا كان رمضان هذا العام يتزامن مع أقسى شهور الصيف في عالمنا العربي، فهو أيضاً يتزامن مع أعنف حراك عرفته الأمة منذ حروب الاستقلال، والأرجح أن زمان البطالة ولّى، أو بمعنى آخر مضت أيام الراحة الوهمية، وهذا هو عنوان رواية إفريقية سوداء في سياقها الدرامي، لكنها خضراء في نهاياتها المفتوحة على المستقبل .
لقد عاش العرب المعاصرون ذات رمضانٍ حرباً أعادت إليهم بعض الاعتبار الذي سلبته حرب حزيران، وذكّرهم ذلك الشهر العظيم بما يماثله من حروبهم القديمة، لكن سرعان ما عادت الرقابة إلى أيامهم، إلى أن صحوا ذات فجر على سؤال الحرية المؤجل، وقد اتسع حتى شمل النهار كله . فيما مضى كان السينارست المحترف ينوب عن التاريخ والواقع في سرد أحداث منها ما هو قابل للحدوث فعلاً، ومنها ما هو محض خيال، فالشعوب لا تطيق البطالة عن صراعات بين الحق والباطل، والحلم والواقع، إذا كان هذا الواقع غاشماً، لهذا طالما اقترضت الشعوب المبتلاة والمنكوبة أبطالها من المقابر، وأحياناً تضطر إلى استلافهم من المستقبل، لكن بعد إضافة ملامح تليق بما هم عليه .
كم يتغير الزمن؟ وكم لا تقوى النوافذ على صد عواصفه إذا هبّت على نحو مباغت، فدوام الحال من المحال .
والحياة ترفض الفراغ بقدر ما ترفض المراوحة على طريقة “محلّك سِرْ” . وشاعرنا القديم الذي قال “يأتيك بالأخبار من لم تُزَوّد” لم يخطئ السّهم الذي أطلقه، فالتاريخ ليس داجناً إلى الحدّ الذي يُساق فيه إلى مصبّ لا يرغب فيه، وثمة لحظات يبطل فيها التاريخ مفاعيل كل التوقعات والنبوءات، فتهبّ أعاصيره من الشرق رغم أن كل نشرات الأرصاد السياسية قالت إنها مقبلة من الغرب أو الشمال .
نعرف أن الأخبار العاجلة على أسفل الشاشات الفضائية سوف تخترق المسلسلات وتعيد الوعي المستغرق في الخيال إلى رشده الواقعي، فما نحياه في هذه الأيام هو بخلاف معظم ما مضى، لأنه ليس أسبوعاً مشمشياً كما يقول مثل عربي، لأن موسم هذه الشجرة قصير وعابر، ما نحياه هو ذاته الذي كنا نموتُهُ يومياً في زمن الاستنقاع والبطالة، عندما سادت ثقافة توكل ولا تعقل، ما أدى إلى شلل قومي شبه شامل، وثمة من العرب من أدخلوا ولم يَدخلوا إلى الألفية الثالثة على نقّالات أو وهم يتوكؤون على العكازات، رغم أن شرط الدخول إلى هذه الألفية باهظ التكاليف، لأن العولمة أوشكت أن تمحو حدوداً وتضاريس رسمت بأقلام الرصاص والطباشير .
رمضان هذا العام يليق به منذ يومه الأول، فأصوات الرصاص تغطي على أصوات الطبول التي يقرعها المسحراتية، والدراما من لحم وعظم ودم حي .





رد مع اقتباس