سعيد عقل متزلجا على الزمن

شوقي بزيغ

* دار الخليـج




مرة جديدة ينجح الشاعر اللبناني سعيد عقل في إعادة التذكير، ولو عن غير قصد، بأنه مازال واحداً من أكثر الشعراء العرب نجومية وقدرة على إثارة الزوابع والسجالات الحامية من حوله، فما كادت البطريركية المارونية في لبنان بالتعاون مع جامعة سيدة اللويزة تبادر إلى الاحتفال بصاحب “رندلى” و”المجدلية” بمناسبة بلوغه المئة عام من عمره حتى ارتفعت الأصوات من هنا وهناك منوهة بالحدث، أو ممجدة لعبقرية الشاعر، أو مثيرة الغبار حول مواقفه السياسية الإشكالية، واللافت في هذا السياق أن أحداً من الكتّاب والمتابعين لم يتحدث بشكل سلبي عن مكانة سعيد عقل المرموقة على خريطة القصيدة العربية الكلاسيكية، بل كانت الانتقادات كلها تدور في فلك مواقفه الإيديولوجية والسياسية التي اتسمت بالشوفينية حيناً وبالعنصرية حيناً آخر، لا بل إن رد أحد ممثلي الكنيسة المارونية على بعض آراء الشاعر عباس بيضون ومطالبته باعتذار علني من الكنيسة والشاعر شكل سابقة نادرة في هذا المضمار .

والحقيقة أن استغراب البعض لفكرة تكريم سعيد عقل من قبل مؤسسة دينية وهو الذي طالما أسهم في إعلاء فكرة لبنان العابر للطوائف هو أمر مفهوم ومبرر، إلا أنه لا يأخذ بعين الاعتبار اللقاء الموضوعي بين بحث سعيد عقل عن الأساطير المؤسسة للهوية اللبنانية، وبين الإسهام المسيحي الاستثنائي في نشوء الكيان اللبناني الذي فشلت الدولة العثمانية على ضراوتها في تذويب ملامحه الخاصة، ورغبته الدائمة في الاستقلال .

صحيح أن الشاعر لم يتفوه على امتداد عمره الطويل بكلام طائفي أو مذهبي ضيق، بل كان يتحدث عن فخر الدين الدرزي، على سبيل المثال، بانبهار واعتزاز لا يوازيهما حديثه عن بشير الثاني الماروني، ولكن ذلك لم يمنع دعاة القومية اللبنانية على اختلاف مشاربهم من العثور في فكر سعيد عقل وشعره على ما يشكل ظهيراً لهم في اللحظات المفصلية من تاريخ الوطن الصغير، فكل دعوة ملحة إلى الانكفاء بلبنان عن محيطه العربي وإضرام النار تحت سؤال الهوية المتراخي لا بد أن تجد في لغة سعيد عقل وآرائه القصووية سندها الثقافي والعقائدي اللازم، ولنتذكر هنا كيف حرص العماد ميشال عون أثناء تحصنه في قصر بعبدا أواخر الثمانينات على أن يقف جنباً إلى جنب مع شاعر “قدموس” في إعادة اعتبار لثنائية القائد الشاعر التي لم يكن سيف الدولة - المتنبي نموذجها الوحيد .

لقد كان الأحرى بالذين تناولوا المناسبة أن يتجنبوا الكلام المكرر عن شوفينية الشاعر ومعاداته للعرب ودعوته المعروفة إلى قتل الفلسطينيين، وأن يحولوا المناسبة إلى فرصة حقيقية للتأمل في تجربة الشاعر وتفحص مكانته الحقيقية في خريطة الشعر العربي بعيداً عن التأليه والتنزيه و”التطويب” اللاهوتي من جهة، وعن العدائية والإقصاء والحكم التعسفي من جهة أخرى . والحقيقة أن سعيد عقل يملك من “الكاريزما” الشخصية والوسامة البادية والطول الفارع وجاذبية الصوت والأداء ما يستطيع بوساطته أن يسحر الآخرين، ويوقعهم تحت سطوة حضوره الطاغي بحيث إن مريدين له حولوه إلى أيقونة شخصية وشعرية ورأوا فيه الكمال التعبيري والفكري والإنساني، وحتى الذين توجسوا منه وناصبوه العداء بدوا وكأنهم يدفعون عن أنفسهم خوف الوقوع في فخ إغوائه الاستثنائي، وأعتقد جازماً هنا أن شعر عقل وتجربته لم يدرسا حتى الآن بالعمق المطلوب، ولم يخضعا لأدوات النقد النزيهة والموضوعية .

مع ذلك فإن المرء لا يملك سوى الشعور بالغبطة إزاء قدرة هذا الشاعر على مقارعة الزمن وتحديه، لا على المستوى الشعري وحده، بل على المستوى الجسدي أيضاً، وإذا كان بابلو بيكاسو قد أعلن ذات يوم أن الرسامين بوصفهم كائنات “نباتية” هم أطول عمراً من الشعراء الذين يتلفون أجسادهم المتوترة بسرعة قياسية، فإن سعيد عقل قد ضرب نظرية صاحب “العزنيكا” في صميمها وإن لم يلغها تماماً، ربما لأن شعره ليس ذهاباً إلى جحيم العراك مع شياطين الداخل وقيعان المأساة بقدر ما هو افتتان “فرح” بالحياة واحتفاء بالجمال في حدائقه الأكثر نضارة . إنه شاعر المهارة القصوى والأناقة الباذخة واللعب باللغة والعالم كما يفعل السحرة والحواة ومروضو الأخيلة الهاربة .

لذلك نفرح بسعيد عقل بمعزل عن اختلافنا معه وحوله ونتمنى له مئوية ثانية تليق بشهواته التي لا تنفد وبمراودته الدائبة لفكرة الخلود .