ثنائية الثورة والدولة

خيري منصور

* دار الخليج




عندما قال محمود درويش قبل ثلاثين عاماً، وعشية الهجرة الثانية للمقاومة بعد اجتياح لبنان: “ما أكبر الفكرة . . ما أصغر الدولة”، كان بما امتاز به من حدس واستشعار، قد نبّهنا جميعاً إلى المسافة التي لابد منها بين الحلم والمحلوم به، وبين الواقع المعطى والمُتتخيّل، فالثورة ما إن تصبح دولة حتى تتخلى عن الكثير من رومانسية شعاراتها، والناس لا يضيئون بيوتهم بكهرباء القصائد ولا يأكلون ويشربون من اللافتات المعلقة على الجدران، ولا ينامون في بيوت نسجتها أحلامهم، والصعوبات التي تواجه أية ثورة بعد نجاحها واكتساب شرعيتها، هي أضعاف الصعوبات التي واجهتها قبل الوصول إلى السلطة .

ولأن الحكم يختبر القدرات وجدية الرؤى والبرامج، تتقاطع الثورة مع الدولة لكنها لا تنقطع عنها، لأنها في الأساس مشروع دولة بديلة، ومحرّرة من شوائب الدولة السابقة، وحين ينتظر الناس من ثورة ما أن تجترح المعجزات، فذلك لأنهم انتظروها بما حملوا من فائض الحرمان والمكبوتات على اختلاف أنماطها . وما تراكم من أخطاء وخطايا خلال عقود وأحياناً خلال قرون لا يمسح بجرّة قلم أو حتى فوهة بندقية، لأن الفساد عندما يتفشى يتحول إلى ثقافة مضادة ويتمأسس ولا يعود مجرد بقع داكنة متباعدة في النسيج يمكن حصارها والتحكم بها بسهولة .

وقد عرف الوطن العربي أشكالاً من المعارضات كانت قاب دبابتين وليس قوسين فقط من السلطة، لكنها أحجمت عنها، لأن بقاءها في المعارضة يتيح لها أن تقول ما تشاء وتنتقد ما تشاء، من دون أن توضع هي وأطروحاتها الطهرانية على المحك .

إن تحول الثورات إلى دول قدر تاريخي لا مجال للفكاك منه، فالإقامة في الطريق ليست ممكنة، ولابد من الوصول إلى نقطة للمكوث فيها بهدف إحصاء ما أنجز وما هو قيد الإنجاز، إضافة إلى متطلبات الحياة اليومية وشروطها .

وهذا بالضبط ما يفسر لنا القليل أو الكثير من خيبات الأمل التي يصاب بها الناس بعد انطلاق الثورات، فالثورة ليست مدينة بيلارس الأسطورية التي تشفي المرضى وتغني الفقراء وتعيد العجوز إلى ربيعه وصباه، كما أنها أيضاً ليست يوتوبيا أرضية مضادة لكل ما عرف التاريخ من ديستوبيات سبقتها، لأن التاريخ ليس تبادلية عزف على خاصرتين كالأوكورديون بين الفاضل المحض والراذل المطلق، لهذا قامت ثورات أخرى من أحفاد ثوار على ثورات سابقة بعد أن تحولت إلى نظم وبدأت البيروقراطية تغطي مفاصلها بالصدأ، وتعوق رشاقتها في معالجة المشكلات وما يدور في أذهان الناس من هواجس . والثورة الكاملة المنتقاة والمُصفّاة من كل شوائب الماضي هي أسيرة النظريات الهاجعة في الكتب أو الأحلام بالبحث عن الأفضل .

لأن الثورة لا تستبدل البشر أو تغير بين يوم وليلة من السيكولوجيا والتربية والثقافة التي تشكّل منها الوجدان العام، هذا ما دفع ثواراً كباراً ورواداً في تاريخ الثورات وفي أوج سنيّ نضجهم، إلى التحذير من إبهاظ الثورة بما تنوء به وبحمولته خصوصاً في بواكيرها .

ولا نظن أن هناك ثورة في التاريخ منذ اسبارتاكوس والنساء الأمازونيات حتى آخر ثورات عصرنا، سلمت من أمرين، أولهما ظهور ثورة مضادة تحاول الإعاقة وتأزيم الثقة، وثانيهما النسبة التقليدية من الشعور بالخيبة، لأن الثورات لا تحمل عصيّاً سحرية، ولا تعبّد البحار، بل تتنامى وتتعافى بالتجربة التي تتلخّص في فلسفة تجنّب الأخطاء .