درويش .. شاعر ذو نظرة خاصة إلى الواقع

* الدستور الأردنيـة





تصادف، اليوم، الذكرى الثالثة لرحيل الشاعر العربي الكبير محمود درويش، الذي يعدّ أهم الشعراء الذين شكّلوا الوعي الفلسطينيّ بعد حرب الأيام الستة في عام 1967.

ولد درويش في قرية بروة الواقعة شرقيّ عكا. كان والداه من طبقة الفلاحين الوسطى، وكانا كلاهما منهمكين بالعمل في الأرض، فنشأ محمود متأثراً بجده. وعندما استولى الجيش «الإسرائيليّ» على القرية، انتقل درويش وعائلته إلى لبنان، فعاشوا، أولاً، في جزين، ثم في الدامور. بعد عام عادت العائلة إلى موطنها المحتل، ستكون القرية طُمِستْ، وتكون مستوطنتان انتصبتا على الأرض؛ لذلك ستستقر العائلة في دير الأسد بالجليل. لم يكن في المنزل كتب، وسوف يألف درويش الشعر من خلال المغنين المتجولين، ثم سيشجعه على كتابته أخوه الأكبر. عاش العرب الإسرائيليون تحت الحكم العسكريّ من عام 1948 حتى عام 1986؛ كانوا مقيدين في تحركاتهم ونشاطهم السياسيّ. وقد ازداد وعي درويش أنّ الفلسطينيين مواطنون من الدرجة الثانية منذ طفولته. وعندما كان في المدرسة كتب قصيدة تمثل صرخة يطلقها طفل عربيّ في وجه طفل يهوديّ. «لا أتذكر القصيدة نفسها،» قال درويش بعد سنوات تلتْ، «لكني أتذكر الفكرة؛ يمكنك أنْ تلعب في الشمس كما تريد، وأنْ يكون لديك ألعابك، لكنْ لا يمكنني ذلك. لك بيتك، وليس لي أي بيت. لك احتفالاتك الخاصة، وليس لي أي احتفالات. لماذا لا نلعب معاً؟» يتذكر أنه استدعي لرؤية الحاكم العسكريّ، الذي توعّده: «إذا واصلت كتابة مثل هذا الشعر، فسأوقف والدك عن العمل في المقْلع.»

من الشعراء الذين أثاروا فيه الإعجاب عبد الوهاب البياتي، وبدر شاكر السياب. في الوقت نفسه، لم تصل إبداعات الشعراء الذين جمعتهم مجلة «شعر»، مثل أدونيس، ولا أشعار نزار قباني، إلى الفلسطينيين المحاصرين، بشكل مباشر. وقد اطلع محمود درويش على الشعر العالميّ من خلال العبرية؛ فقرأ أعمال فيديريكو غارسيا لوركا، وبابلو نيرودا مترجمة إليها.

أشعاره الأولى تصور المقاومة الفلسطينية ضد الحكم الإسرائيليّ. نشرت أعماله الأولى: «أوراق الزيتون» (1964)، و»عاشق من فلسطين» (1966)، و»آخر الليل» (1967) في إسرائيل، وخلال هذه الفترة، كان محمود درويش عضواً في الحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ ـ راكاح ـ وكان يحرر جريدته «الاتحاد». سُجن درويش أكثر من مرة، وكان، كثيراً ما، يخضع للإقامة الجبرية.

غادر محمود درويش «إسرائيل» عام 1971، ودرس في جامعة موسكو. ومن بعد إقامة قصيرة في القاهرة ذهب إلى بيروت، وعمل في مراكز الأبحاث والدراسات الفلسطينية. بقي في لبنان أثناء المرحلة الأولى من الحرب الأهلية اللبنانية، ثم غادرها مع ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1982. فذهب إلى تونس، وباريس وعمل رئيس تحرير مجلة الكرمل، ذائعة الصيت. ومع أنه أصبح عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1987، وأسهم في صوغ إعلان الدولة الفلسطينية، غير أنه حاول البقاء بعيداً عن الحزبية. «أنا شاعر ذو نظرة خاصة إلى الواقع،» كما قال.

أثناء إقامته في باريس كتب «ذاكرة للنسيان»، وهي مذكراته لبيروت تحت القصف الإسرائيليّ المكثف عام 1982، وترجمت إلى اللغة الإنجليزية. جاء هذا العمل شعراً في نثر، ومزج السخرية مع الغضب، ويصور تأملات الشاعر في العنف والمنفى.

لم يكن يهتم بصحته، فأصيب بنوبات قلبية في عام 1984 وأوائل عام 1998. استقال من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993، على إثر اتفاقات أوسلو، التي رأى أنها «محفوفة بالمخاطر». في عام 1995 استطاع العودة إلى «إسرائيل» ليرى أمه المتقدمة في السن. كذلك سمحت له السلطات «الإسرائيلية» بالإقامة غير المحددة في مناطق السلطة الفلسطينية، فقضّى آخر سنواته في رام الله وعمان.

توفي في الولايات المتحدة الأميركية، كان ذلك في يوم السبت الموافق للتاسع من آب عام 2008، وذلك بعد عملية القلب المفتوح التي أجريت له في مركز تكساس الطبي في هيوستن.