في ذكرى رحيل أبي الرواية الجزائرية.. الطاهر وطار..كان متحفّظاً حساساً وقريباً من البسطاء

* الثورة السورية





نحاول من خلال شهادات أدلى بها المقربون من أبي الرواية، الراحل الطاهر وطار، الكشف عن الوجه الآخر له، إذ لم يكن يهمني كثيراً أن أكتب عن الطاهر وطار المبدع الكبير والمناضل العنيد

ولاصاحب الانجازات الثقافية الكبرى، لأن مساره معروف وهناك نقاد مؤهلون للحديث عن هذا الجانب ولكن كان يهمني كثيراً أن أكتب عن الطاهر وطار الإنسان البسيط القريب من البسطاء.... عن وطار الذي يعرفه سكان شارع رضا حوحو حيث بيته الثاني الجاحظية، عن وطار الذي يخاطبه صاحب المقهى الشعبي في حي شاراس ب (سي الطاهر) ويعرف أنه أحد القامات الثقافية الكبيرة لهذا البلد، رغم أنه لم يقرأ له عملاً واحداً، عن الطاهر وطار الذي يخاطبه حارس حظيرة السيارات بنفس الحي بعمي الطاهر وقد يمازحه ويطلب منه مساعدة، لأنني كنت دائماً أؤمن أنها صداقات وتقديرات شفافة خالية من النفاق والمزايدة وإنصافاً لمبدع كبير ألصقت به تهم كثيرة وتطاول عليه بعض من لم تكن لهم شجاعة الوقوف في حضرته يوم كان حياً يرزق.‏

من المعروف عن الطاهر وطار أنه كان شخصاً متكتّماً جداً ومتحفّظاً جداً ومن الصعب أيضاً معرفة ما يخبئه وما يفكر فيه حتى بالنسبة لأقرب المقربين منه، لأنه عادة كما يقول الناقد سعيد بوطاجين الذي اشتغل معه منذ 20 عاماً في الجاحظية (كان حاد الطباع ولا يكشف عن آرائه الحقيقية في الكثير من أمور السياسة والفكر و ثمة من الصعب أيضاً على أيّ أحد الادّعاء بمعرفة عمق هذه الشخصية»، فهو الذي قال عن نفسه في مذكراته «أنه حزب وحيد الخلية»، كان يخشاه من هم في المعارضة، ظناً أنه ينتمي للسلطة، ويهابه من هم في السلطة على أساس أنه من المعارضة. ويروي عنه معاونوه في الجاحظية، أنه كان إنساناً صارماً في العمل ومتطلباً، لكن على قدر صرامته فهو شخص إنساني جداً وينسى سريعاً، إضافة إلى أنه شخص غير حقود.‏

كانت كريمة تتحدث والدموع تملأ عينيها «لا أستطيع أن أنسى أبداً أن عمي الطاهر جعل الجاحظية كلها تحزن لحزني، بحيث قام الراحل ولمدة 3 أيام متتالية ببث القرآن الكريم في مقر الجمعية عندما توفيت إحدى قريباتي، تواصل كريمة فتقول: كان عمي الطاهر حسّاساً جداً، منه تعلمنا التواضع والدبلوماسية، رغم أنه كان شخصاً صدامياً وصريحاً أحياناً لحد الجرح، لكنه طيّب جداً يفرح لفرحنا ويحزن لحرننا، كان يعتبر الجاحظية بيته الثاني، أذكر أن «إيميلاته الأخيرة قبل وفاته كان يحدثنا على اعتبار الجمعية أمانة وعلينا صيانتها.

في آخر زياراته للجمعية كان متعباً جداً، خطه لا يكاد يفهم من أثر التعب والمرض، لكنه كان يقاوم وظل يقاوم إلى آخر لحظة «كان الطاهر وطار يملك حسّاً ثاقباً وبحكم عمله في أجهزة الحزب العتيد وعمله النضالي أهله لمعرفة كل شبر من ربوع الوطن وكان كثيراً ما يدقق مع ضيوفه في أسماء المناطق والقرى والمداشر التي يأتون منها وكثيراً ما كان وطار يستقبل الكتاب الشباب في مكتبه وهو الذي اتهم بمعاداة الكتاب الشباب، لم تشهد الجزائر كاتباً ولا مثقفاً ساعد الشباب مثله، إلى درجة أنه كان ينفق من ماله الخاص لمساعدة بعض الكتاب والشعراء الشباب وتدخل أكثر من مرة لدى المؤسسات الإذاعية لتسوية وضع بعضهم، رغم ما قد يكلف كاتباً مثله كان دائم الحرص على حريته واستقلاليته وكان يفرق بين دوره ككاتب مستقل ودوره كرئيس جمعية وهذا ما كان يجلب له الكثير من الأعداء والخصوم أيضاً، حيث كان يمنح بعضهم ثمن تذكرة القطار أو الحافلة وكنت دائماً أتعجب من قدرة وطار على سبر أغوار النفوس والاطلاع على ما وراءها، ترى كيف كان يعرف أو يشعر أن الجالس قبالته لا يملك ثمن العودة إلى قريته؟ وكنت أكتشف في تلك الجلسات في مكتبه قدرته على معرفة التفاصيل وولعه بها أيضا في كتاباته...‏