عين خالية من الدموع
يوسف أبو لوز
* دار الخليـج
الناس يشبهون جغرافياتهم . . يقول الكاتب اللبناني غازي قهوجي وهو يتحدث عن علاقته بمدينته صور، والتشبيه لم يأت من فراغ إذا عرفنا أن الإنسان في ذروة جماله وآدميته لا يولد فقط من العينين، كما قال شاعر فرعوني قديم، وإنما من الممكن أن يولد من جذع شجرة، أو من فم نبع، أو حتى من غيمة .
عند جذع الشجرة أتوقف قليلاً، واستعيد صورة امرأة فلسطينية في الستين من عمرها رمت بكل جسدها على شجرة زيتون لتحميها من الاقتلاع بأسنان البلدوزر “الإسرائيلي”، في إطار سياسة تجريف الأرض المحتلة ليس من البشر فقط، بل ومن الشجر، وعندما ظهرت تلك المرأة في الصور الفوتوغرافية والتلفزيونية التي ملأت شاشات العالم وهي تحتضن الشجرة كما تحتضن طفلة، ذرفت بعض النساء وبعض الأشجار دموعاً خضراء، ربما تعاطفاً مع الجنس البشري، وربما مع الجنس “الشجري” .
المرأة تبكي والشجرة تبكي، لكن الرجل من العيب عليه أن تسقط دموعه، وهذه على الأقل صورة صغيرة من الثقافة الذكورية التي تعتبر أن عين الرجل خالية من الدموع .
هذه الصورة الذكورية ليست حقيقة ثابتة، كما لا توجد أحياناً حقائق ثابتة، فالطغاة يطلقون النار على الأشجار بالمستوى نفسه من العصاب والدمار تجاه الكبار والصغار من البشر، وهؤلاء البشر هم في النهاية ليسوا سوى الشعب، شعب الطاغية نفسه، وهو يعتبرهم جناحاً بشرياً في مزرعته الحيوانية، لكن في لحظة تشبه اشتعال عود ثقاب ثمة رجل واحد، امرأة واحدة أو طفل واحد، يقف هؤلاء في وجه قاتل الشجر والحجر والبشر صارخين بصوت شعبي واحد “ارحل” .
ما علينا من هذه التداعيات، ولكن بعيداً عن الشعب وعن صوته الجماعي المدوي في الشوارع من جمعة إلى جمعة، يلفت النظر إلى أن القتلى في هذه الشوارع ليسوا فقط من الناس، بل هناك أشجار ميتة على الأرصفة، وقد ماتت وهي واقفة، أو وهي مضرجة بالدم ومطروحة جثثاً شجرية خضراء على الأرض .
خلف الصورة السياسية، في هذه الحالة، هناك صورة شعرية تتماهى فيها المرأة مع الشجرة، والضحيتان في الحالين هما من جنس أنثوي أو مؤنث، لم تشفع له أبداً مروءة ذلك الذكوري العنيد الذي لا يكتشف الفرق بين الإنسان وجغرافيته .
الإنسان لا يشبه جغرافيته وطبيعته فقط، بل يستعير منهما فكرة الحياة لكي يموت وهو حر ومرفوع الرأس .





رد مع اقتباس
