الخـــوف
يوسف أبو لوز
* دار الخليج
كان الشاعر الراحل عبدالوهاب البياتي يختار أماكن محددة في المقاهي التي يرتادها، وهو الذي أمضى حياته في المنفى، بل كان المنفى مركز شعره الذي يدور في فلك آخر هو فلك عائشة، هذه المرأة اللغز في حياة البياتي، وفي شعره .
كان البياتي يجلس إلى طاولة وظهره دائماً إلى جدار . لم أره مرة في مقهى إلا وخلف ظهره جدار، مرة سألته حول ذلك فأحمرّ وجهه وقال كلاماً فهمت منه فكرة واحدة وهي الخوف .
خوف البياتي من الغدر أو المباغتة وربما الاغتيال يدفعه إلى الجدار، كأنه يقول في ذاته إذا جاءتني الرصاصة فلتكن في الوجه أو في الصدر لكي أرى عيني القاتل وأرى دمي وهو يسيل على الورقة التي اكتب عليها تنهيدة البحر أو شكواي إلى الحجر .
الخوف أيضاً كان يدفع “شفارتس” بطل رواية “ليلة لشبونة” للكاتب الألماني أريش ماريا ريمارك إلى الجلوس قريباً من باب المقهى، ففي حال أن دهم رجال الجستابو مكاناً يوجد فيه شفارتس المطارد والخائف، فإنه يسهل عليه الهرب وهو قريب من الباب .
في حالة الخوف المزمنة التي كان يعاني منها البياتي إلى درجة الفوبيا كان الجدار يشكل حماية للشاعر الذي يقطر الحزن من عينيه، أما الباب فهو حماية شفارتس الذي كان يحلم بالهرب إلى أمريكا من جبروت الجستابو، ولكنه لم يهرب إلى أي مكان واختفى في لشبونة التي ماتت فيها زوجته هيلين التي كانت هي الأخرى خائفة أو مريضة بالخوف .
الخوف ليس حالة عابرة، فهو يتكرر ويتجدد في كل زمان وفي كل مكان، وفي كل مرة يأخذ اشكالاً مختلفة بحسب الشخص نفسه الذي يقع عليه الخوف .
يمكن معالجة المرض بشيء من الأدوية، ويمكن معالجة الكآبة بالحب، ويمكن دحر الحزن عن قلب الإنسان بصداقة أو بحب أيضاً، ويمكن الفرار من العزلة والوحشة عن طريق السفر أو القراءة، أو حتى النوم والنسيان، ولكن كيف يمكن التخلص من الخوف فهو ليس مرضاً فقط بل هو عزلة وكآبة وحزن بل هو حزمة من الألم .
ولكن من يصنع الخوف ويغذيه ويربيه ويسهر على كيانه السيكولوجي المدمر؟
هناك من يجعلك تخاف حتى من ظلك، فلا ينفع في إخراجك من هذه الحالة لا جدار البياتي ولا باب شفارتس، فما عليك إذاً إلا أن تسلحّ قلبك الحزين وروحك المكسورة بشيء من الشجاعة الداخلية والروحية . . وفوق ذلك ثق بالحب .
حب الحياة كلها . حب الإنسان والأرض والسماء يهزم الخوف وصنّاع الخوف .





رد مع اقتباس