الأفلام الإماراتية الروائية القصيرة رؤى مكتملة في دقائق معدودة
قراءة في 8 منها تطرح أفكاراً شابة لقضايا متنوعة
ضمن مسابقة الإمارات التي تعنى بأعمال المخرجين الشباب من الخليج العربي، شاهد الجمهور الجزء الأول من الأفلام المشاركة في فئة الأفلام الروائية القصيرة في سينما المارينا مول أمس الأول، والتي طرحت رؤى مختلفة لأفكار شابة في دقائق معدودة، وجاء معظمها مكتمل الملامح والمعاني .
كانت البداية من خلال فيلم “الحياة تحتاج إلى رفيق” للمخرج عبدالله النيادي، وبالرغم من أن مدة الفيلم لم تتجاوز الدقيقتين، إلا أن المخرج وبفيلمه القصير الصامت وشخوصه المؤلفة من وردتين ويدين بشريتين، أظهر لنا أن الحياة ومهما كنا نملك من مقوماتها فهي لا تستحق أن تعاش إن لم يشاركنا في أوقاتها من نحبهم، فنحن لو كنا بجمال الأزهار ونعيش ضمن بيئة توفر لنا ارقى أساليب الرفاهية، إلا أن برد الوحدة سيصيبنا، وسيحيطنا السواد، وسيتغلغل في داخلنا، لكن هذا السواد قابل للزوال بمجرد أن نجد الرفقة التي تسير معنا على درب الحياة الطويل، “الحياة تحتاج إلى رفيق” تجربة سينمائية قصيرة لكنها تعد بموهبة سيكون لها شأن لو كتب لها الاستمرار .
أما “البعد” للمخرج ذياب الدوسري فحاول أن يطرح السمة المادية التي يتسم بها هذا العصر، فالناس تركوا جمال البساطة واتجهوا نحو المظاهر، باتت الأرقام بالنسبة لهم هي الأهم، وباتت السيارة واللباس والمنازل الفارهة هي المقياس على إنسانية الإنسان، لم يعد لذلك القلب الطيب أو الروح الجميلة أي أهمية، (البعد) محاولة جيدة للمخرج الدوسري إلا أنه لم يوفق في اختيار الصوت المرافق للفيلم، فقد عابه ضعف في اللفظ وفي مخارج الحروف، كما أن المخرج لم يوفق بإدخال التصاميم الفنية المرسومة على الحاسب إلى الفيلم فابتعدت بذلك عن جمال الصورة التي كنا نبحث عنها .
أما بالنسبة للمخرج عبد العزيز البطاشي، فاستطاع أن ينقلنا ومن خلال عمله القصير (دوائر) إلى طبيعة ساحرة، حيث الماء والنخيل وأصوات الكائنات المتمازجة بإبداع رباني لتكون كسمفونية تهفو إليها النفس وتدخل البهجة إلى القلب، “دوائر” عمل ينقلنا إلى واحات الإمارات الرائعة، تتبع فيه عدسة المخرج رحلة ثلاثة أطفال يجولون في هذا العالم الساحر على انفراد، ليتوقفوا عند مظهر واحد وهو الدوائر التي يرسمها سقوط حجر في ماء، تلك الدوائر التي تتوسع وكأنها الحياة بدوائرها، تكون في البداية حلقة صغيرة قوية، لا تلبث أن تتسع لكن اتساعها يضعفها، إلى أن تتلاشى في النهاية .
ويقدم لنا عيسى الصبحي في (قبل الغروب) صورة لفئة مهمة في مجتمعنا، كانت في وقت ما تعاني من العزلة، وهي فئة ذوي الاحتياجات الخاصة، ففي متنزه للأطفال تنتقل عدسة المخرج بين مجموعات منفصلة لأطفال يلهون معاً، وطفل وحيد جالس على الأرض يلهو ببناء منزل من طين، وعندما ينتهي يضع فيه خنفساء صغيرة، ضحكات الأطفال الآخرين وأصواتهم كانت تملأ المكان، لكن طفلنا الوحيد هذا تبدو على ملامحه آثار حزن لم نعرف سببها إلى أن يحين الغروب فتأتي والدته بكرسيه المتحرك لتصحبه إلى المنزل .
أما أحمد الزين فقد حاول أن يدعم فيلمه “عتمة” بأحد الوجوه الفنية الإماراتية المعروفة وهو الممثل القدير حبيب غلوم الذي قام بدور ساعي البريد، ذلك الإنسان الذي يحمل الفرح بكل سرور لكنه مجبر بأن يحمل الحزن للبعض، تدور أحداث هذا الفيلم في خمسينيات القرن الماضي، عندما كانت الرسالة هي وسيلة الاتصال بين الناس، وكان طرق ساعي البريد على باب أحدهم يعني أن هناك خبراً قد وصل، فيدعو الله أن يكون خيرا، تمضي بنا أحداث هذا الفيلم لتقص لنا قصة شاب صغير فقد أمه منذ سنين ويعيش مع أبيه الذي يعمل ساعي بريد، في بيت بسيط نال منه الفقر فبدا ذلك على جدرانه وأثاثه، ويقع هذا الشاب بين حزنين الأول حزنه على أبيه الذي راح نور عينيه يخبو شيئاً فشيئاً دون أن يستطيع له مساعدة، والثاني هو ابنة الجيران التي كانت تنتظر أن يأتي والدها من الحج حاملاً لها ثوب العيد الأحمر، لكن العيد أتى والوالد لم يأت، لترفع على عتبة البيت راية سوداء تعلن عن غياب دائم لراعي هذه الدار، وفي نهاية الفيلم يسترجع هذا الساعي العجوز حياته مع حقيبة الرسائل التي رافقته سنين طويلة بكل ما تحمله من أخبار، ليعرف أن وقته قد انتهى وقد جاء وقت جيل آخر ليكمل المشوار، بينما يكون ابنه ذلك الشاب الأمل يبحث عن وسيلة لمساعدة أبيه، وعند فشله في شراء نظارات يقرر أن يصنعها .
أما الفيلم الأطول لهذه السهرة بين الأفلام القصيرة المشاركة فهو فيلم “لولوة” للمخرج أسامة سيف، ويتميز بتعدد شخصياته، وحواراته الكثيرة التي لا تخلو من الطرافة، وتعود أحداث الفيلم إلى عقود مضت ليناقش عدداً من القصص التي يعيشها أبطال الفيلم، الشخصية الرئيسة هي لولوة (فاطمة عبد الرحيم) التي تعيش في منزل والدها تعاني من مضايقات عمها الذي يتظاهر بأنه مختل عقلياً، وهي الشاهد على قصة حب عاشها أخوها رشيد العاطل عن العمل مع سارة أعز صديقاتها؟ تلك القصة انتهت بانتحار سارة لأسباب غامضة، فانتشرت الشائعات عن علاقة محرمة كانت بين الحبيبين أدت إلى هذه النهاية المأساوية، يسجن رشيد ولا يلبث أن يهرب من سجنه، ليوصل العم المختل سارة إلى مكان يقول إنه مكان اختباء رشيد، لتكتشف لولوة أنها وقعت في شرك عمها الذي باعها إلى رجل عجوز يبحث عن إرواء شهوة قذرة، حبكة درامية مميزة، زاد من متعتها تلك الحوارات الظريفة التي تدور بين عجائز تلك القرية .
ونختم بفيلم “روح” للمخرجة فاطمة عبد الله وهي المحاولة الأنثوية اليتيمة في هذه الفئة، ومن خلاله تذهب إلى عالم روحاني، يتجرد فيه الإنسان من تكوينه المادي، ليبقى روحاً هائمة تبحث لها عن مكان ترتاح فيه، فبطل الفيلم يذهب إلى أحد الفنانين يخبره بأنه يريد تمثالاً يشبهه، بالشكل والوزن، وبعد تسع شهور وهي مدة التكوين يتسلم البطل تمثاله فيقوم بتكفينه وحمله إلى القبر حيث يدفنه، ويدفن معه كل ما يمكن أن يربطه بالعالم المادي كالعقل والقلب وأعضاء من جسمه طلب صاحب التمثال من الفنان أن يرفقها مع التمثال .
(روح) وبالرغم من بعض الأخطاء اللغوية التي حدثت بين شخصيتي الفيلم اللتين تحدثتا باللغة العربية الفصحى، إلا أنه حمل في طياته عبرة إنسانية رائعة، وبعداً روحانياً يستحق التقدير .
وكان ختام الأمسية بعرض فيلم “سبيل” للمخرج الإماراتي خالد المحمود والذي حاز على عدد من الجوائز في مهرجانات محلية وعالمية، وكان ذلك العرض بمناسبة الدورة العاشرة من مسابقة الإمارات للأفلام القصيرة .






رد مع اقتباس
