“إلى أبي”
يوسف أبو لوز
* دار الخليج
“إلى أبي” . . عبارة مكثفة وسريعة كأنها برقية أو هدية صغيرة ملفوفة بالحرير يبدأ بها الكثير من الكتّاب كتبهم الأولى التي يهدونها إلى آبائهم الحقيقيين وليسوا الرمزيين أو الآباء الروحيين، هؤلاء الآباء الذين لا يعرفون القراءة والكتابة، وقد سهروا على تربية أبنائهم ومنعوا عن أنفسهم لقمة الخبز لكي يأكل الولد ويتعلم، وحرموا أنفسهم أيضاً من “لبسة” حلوة لكي يشتري الابن أجمل الثياب ويتباهى بها بين أقرانه في محيط اجتماعي كله آذان وعيون .
من الإهداءات اللافتة حقاً ما وضعه المسرحي فاضل الجاف في مقدمة كتابه المميز “فيزياء الجسد” الصادر عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة في العام 2006 الجاف يهدي كتابه هذا إلى أبيه على النحو التالي: “ . . إلى أبي في ذكراه . لك عليّ الكثير، وحسبك أنك على الفطرة . ساندتني في حب المسرح، بينما أنكره علينا متعلمون وموجهون . .” .
نفهم من هذا الإهداء أن الأب الفطري الذي لا يعرف شيئاً عن فن المسرح وقف إلى جانب ابنه وشجعه على المضي بكل ثقة وشجاعة في طريقه التي اختارها الجاف بثقة وشجاعة أيضاً، بينما الإنكار ووضع العصي في الدواليب يأتي من المتعلمين، ولنقل هنا، وللإنصاف، إنه يأتي من بعض المتعلمين وليس كلهم .
الشاعر الإماراتي عبدالعزيز جاسم أصدر في العام 2010 كتاباً تأملياً في الثقافة وفي تحولات العالم تحت عنوان “جحيم نيوتن”، بإهداء من ثلاث كلمات “ . . إلى روح والدي”، وقد سبق لكاتب هذه السطور أن عرف والد الشاعر عبدالعزيز جاسم أوائل ثمانينات القرن الماضي في رأس الخيمة عن قرب، وقد كان رحمه الله هو الآخر فطرياً وترحابياً إلى حدود إنسانية شفيفة قليلاً نجدها عند بعض المثقفين والمتعلمين الذين يعتقدون أن الثقافة هي كوكب آخر فوق الأرض وفوق الناس .
نازك الملائكة الشاعرة العراقية التي عملت هزة شعرية وثقافية في أرض الشعر العربي الحديث ولدت في بيت عائلة مثقفة هادئة، كان الأب هو عمودها والأم هي عمودها الآخر، وهكذا نجد في شعرها أبوة وأمومة هما هدية واحدة لهذه الشاعرة التي كما يبدو ولدت من الماء .
الأب . . الأب الفطري، كثير الصمت وكثير العمل من أجل ولادة شاعر أو مسرحي أو ابن ناجح وابنة ناجحة وهو يوغل في الصبر وأناقة الروح كأنه مظلة لها أجنحة نسر لكي يعيش أبناؤه أفضل منه يستحق هدية القلب، هدية الله، وهي الكتابة .
“إلى أبي” . . الابن والقصيدة والابنة والكتاب والكتابة .





رد مع اقتباس