نهاية تراجيدية لا تليق بنا!

موسى حوامدة

* الدستور الأردنيـة






لم أكن معجبا بمعمر القذافي، ولا بنكاته السمجة، أو بطريقته في الحكم، وخطاباته وتصرفاته الحمقاء، ولم يكن لدي أدنى شك أن الرجل ديكتاتور بكل معنى الكلمة، قام بتخريب ليبيا، وعاث فسادا في مقدرات بلده، واستهان بحقوق الانسان فيها، وقام بتوزيع ثرواتها، بطرق عشوائية ولكسب التأييد والمولاة والمعجبين، ولم يكن معاديا لإسرائيل فقد أرسل مرة وفد حجاج ليبيين الى القدس، وتهجم على الفلسطينيين أيام الاجتياح الاسرائيلي لبيروت، وطلب منهم أن يأكلوا جثث بعضهم البعض، وحين وقع ياسر عرفات على اوسلو، قام بطرد الفلسطينيين الموجودين في ليبيا الى الحدود مع مصر، واخترع مصطلح اسراطين، وقال ان الاسرائيليين والفلسطينيين اغبياء لأنهم لا يقيمون دولته المقترحة.

بل إن تصرفاته خلال الثورة الليبية كانت جنونية، ولم يتواضع لتفهم مطالب شعبه، فاتهمهم مرة بالجرذان ومرة بالمهلوسين، وأيد زين العابدين بن علي، والرئيس المصري حسني مبارك، وقيل أنه حاول فتح قنوات اتصال مع اسرائيل خلال الثورة، وأشيع ان ابنه عقد صفقات اسلحة اسرائيلية عن طريق شخصية فلسطينية مشبوهة، لكن ذلك كله ظل موضع اشاعات ولم تثبت صحته.

لم يتفهم معمر القذافي مطالب شعبه بالحرية، وضرورة وضع مقومات دولة مدنية، وكتابة دستور للبلاد والسماح بتداول السلطة، بعد أن قام بتخريب الجيش والمؤسسات المدنية وجعلها مؤسسات شبه فوضوية، عين على رأس أغلبها ابناءه او المقربين منه.

سبق أن كتبت في هذه الزاوية مقالة بعنوان خطاب الديكتاتور الأخير ضد معمر القذافي، الذي كانت لديه فرص كثيرة للتفاوض مع ابناء شعبه، والخروج بحل قبل تدخل حلف الناتو الذي كان قد رسم السيناريو لمعرفتهم بردود فعله، كل ذلك قلناه قبل ان تسقط طرابلس أو تحرر أو ينتهي النظام ويسقط، الا من بعض المقربين من القذافي واعوانه الخلص والذين قاتلوا معه حتى قتلوا وتم أسره وجرى ما جرى من تعذيبه وتشويهه والتشنيع عليه بوسائل بدائية ودموية وهمجية.

لقد تم الاتفاق مع مجلس قيادة الثورة على قتل القذافي، وعدم محاكمته لان المحاكمة ستكشف عن الكثير من اساليب الغرب وسياساته في المنطقة، وربما ستكشف عن مخططاته الجديدة المؤيدة للربيع العربي؟

ومما يقال ان هيلاري كلينتون وصلت الى طرابلس بعد ان تم اعتقال القذافي، كما فعل رامسفيلد بعد القبض على صدام حسين، ورسم الامريكان سيناريو القبض عليه وقتله، وألقوا به جريحا قرب النفق، وهو مصاب اصابات بليغة، وكانوا يعرفون أن القاءه بهذا الشكل بين يدي الناس سيؤدي الى قتله وتشويهه والتمثيل بجثته.

لكن ما لم يتوقعه أحد أن يتحول قتله والتمثيل بجثته الى إعادة نظر في كل ما فعله الناتو والمجلس الثوري الليبي، وما قام به بعض الثوار الذين تخلوا عن انسانيتهم وثوريتهم، وفعلوا ما فعلوا بقائد بلدهم الذي حكمهم 42 عاما!

نعم وجدت نفسي متأثرا لهذا المصير التراجيدي الذي لم يتصوره شكسبير ولا حتى سوفكليس من قبله، لا لأن الرجل لا يستحق هذا المصير، ولكن لأن الإنسانية تتقزز من هذه الصور والمناظر التي تقشعر لها الأبدان، ويربأ أن يراها الانسان السوي والطبيعي، والأنكى من ذلك أن هذا الرجل الديكتاتور او الطاغية لم يكن نسيج وحده، ولا صنع يديه، فالعقلية العربية هي التي أفرزته وخلقته، وكان محاطا دائما بمن يطيع أوامره وينفذها، ومن بشرونا بالربيع العربي، اختطوا سنة سيئة بقيامهم بقتل أعوان القذافي بعد استسلامهم ودون محاكمات. وقيامهم بالتنكيل بمن يقع في أسرهم، لا بل والتمثيل بجثث الاموات وعرضهم للفرجة.

انها البشاعة بعينها، والدموية التي تدفع الانسان لاحتقار الحياة واحتقار انسانيته بهذا الشكل، وقد شاهدنا كيف تمت محاكمة سيلوفان ميلوفيتش، وهو في كامل أناقته، أم أن الغرب يتصرف حتى مع القتلة الأروبيين بإنسانيته ويدفعنا لكشف بشاعتنا ودمويتنا لكي نظهر للعالم أننا بعيدون عن الانسانية، أم أننا فعلا نحب الدم والقتل والعنف، ولا نفرق بين حقوق الانسان وحقوق الحيوان؟

الحديث يطول في هذا المجال والعقلية الغربية تتحمل وزر ما جرى سابقا، منذ 42 عاما، وهي التي ساندته في مغامراته وجنونه، وهي تتحمل وزر تصفيته بهذا الشكل المخزي.