تحية متأخرة لسميح القاسم
شوقي بزيع
* دار الخليج
حين عرضت قبل أسابيع الرسائل التي تبادلها سميح القاسم ومحمود درويش في النصف الثاني من ثمانينات القرن الفائت، والتي جمعت في كتاب مستقل، لم أكن أهدف إلى تبيان القيمة الأدبية والسياسية العالية لتلك الرسائل فحسب، بل إلى تسليط الضوء على العلاقة الحميمة و”الملتبسة” التي ربطت بين شاعري فلسطين المميزين، وأضافت شجرة جديدة إلى غابة الثنائيات الإبداعية في الوطن العربي .
صحيح أن درويش والقاسم لم يكونا شقيقين بالمعنى البيولوجي، وأنهما لم يتشاركا النصوص نفسها كما في حالة عاصي ومنصور الرحباني، ولكن الكثيرين رأوا إليهما بوصفهما توأمين شعريين، وبخاصة في مراحل شبابهما الأولى، وقبل أن يضيق درويش ذرعاً بوطأة الاحتلال وقسوة الجغرافيا الضيقة، ويرحل إلى غير رجعة .
خطرت لي هذه المقارنة مع الرحبانيين لا على المستوى الإبداعي وحده بل على مستوى العمر أيضاً حيث كان فارق السنتين الذي يفصل بين عاصي ومنصور هو الفارق نفسه بين سميح ومحمود، وعلى مستوى الجمهور الذي شغلته بشكل واضح المقارنة الدائمة بين طرفي الثنائيات، وجميعنا يعلم مدى المعاناة التي عاشها منصور الرحباني بعد غياب أخيه الأكبر ولم يشفع له بشيء قوله آنذاك أن نصفه بات تحت التراب ونصفه الآخره فوقه بل بدا رحيل عاصي الذريعة الملائمة عند البعض للانقضاض على منصور والتشكيك بكل ما قدمه من مسرحيات وألحان وأعمال لاحقة .
وقد لا ينطبق الأمر بالدرجة ذاتها على الثنائي الفلسطيني، ولكن الأسطورة التي صنعها درويش في حياته وصلت بموته إلى ذراها الأخيرة تاركاً لرفيق دربه أن “يعتذر” ولو بشكل موارب عن بقائه على قيد الحياة وهو ما بدا واضحاً من خلال المرثية الوجدانية التي كتبها الثاني عن الأول وضمنها إحساساً واضحاً باقتراب الحياة من خريفها الدائم .
على أن استشعار سميح القاسم بنذر مأساته الشخصية بدا للكثيرين أقرب إلى الموقف الوجودي منه إلى الحقيقة الواقعة ذلك أن إعلان منصور الرحباني عن موته النصفي لحظة رحيل أخيه لم يمنعه من أن يعيش بعده اثنين وعشرين عاماً قدم خلالها العديد من مسرحياته وإنجازاته الموسيقية لذلك ما كان لنا أن نصدق أعيننا ونحن نرى بالعين المجردة الملامح المثخنة بالتغضنات لصاحب “سقوط الأقنعة” و”دخان البراكين” وهو يطل من إحدى الفضائيات العربية ليتحدث عن مرض السرطان العضال الذي بدأ يتفشى في أوصال جسده الواهن، تحدت سميح بمرارة واضحة لكنها لم تكن مرارة اليائس والعاجز الذي لا قوة له ولا حيل، بل بمرارة الواثق من مقارعة المرض بقوة الشعر من جهة، وبقوة الانتماء إلى الأرض العصية على الاستسلام من جهة أخرى .
وكما كانت السخرية ملازمة له على المستويين الشخصي والأدبي، فقد أصر الشاعر السبعيني على الاحتفاظ بنبرة السخرية من المرض حين روى للمشاهدين أنه رد على الطبيب الذي باغته بشأن الإصابة بالسرطان بأنه “لا يحب ثمار البحر” وأنه لا يحب من الكائنات البحرية سوى الأسماك .
كان القاسم يعرف في قرارة نفسه أنه يواجه الموقف إياه الذي واجهه من قبله عشرات الشعراء العرب، وكانت تخطر في باله الصورة المتغايرة لأولئك الذين صعدوا حسراتهم وشكاواهم إلى أبعد الحدود، كما فعل بدر شاكر السياب، أو أولئك الذين لازمتهم السخرية ونبرة التحدي حتى اللحظة الأخيرة، كما كان حال ممدوح عدوان، ففي حوار لصاحب “أمي تطارد قاتلها” على إحدى الفضائيات سأله المذيع عن روح المرح والدعابة التي لا تفارقه رغم اشتداد المرض عليه فما كان من ممدوح إلا أن أجاب بذكائه اللماح والمتوقد قائلاً: “إن مرضاً خبيثاً كالسرطان يحتاج إلى من هو أخبث منه، وأنا كذلك” .
لا أريد لهذه المقالة أن تكون رثاء مبكراً لسميح القاسم، أطال الله في عمره، بل هي إعلان حب حقيقي لذلك الشاعر الذي بات جزءاً من ذاكرتنا الجمعية، كما من نسيم فلسطين المفتوح على أكثر من مهب .
إنها تحية لشاعر “الرامة” الوسيم والطافح بالحيوية وقوة الإرادة وصلابة الموقف، وهي دعوة ملحة وصادقة لمقاومة سرطانة الشخصي وصولاً إلى دحره تماماً كما فعل مع سرطان الاحتلال الأكثر ضراوة في التاريخ، كيف لا وهو القائل في قصيدته الرائعة “طائر الرعد”: “ويكون أن يأتي مع الشمس/ وجهّ تشوه في غبار مناهج الدرس/ ويكون أن يأتي/ بعد انتحار القحط في صوتي/ شيء روائعه بلا حد/ شيء يسمى في الأغاني: طائر الرعد/ لابد أن يأتي/ فلقد بلغناها/ بلغنا قمة الموت” .





رد مع اقتباس