تجاعيد الحضارة الهرمة
خيري منصـور
* دار الخليج
للحضارات في خريفها ملامح لا تخطئ البصيرة في قراءتها حتى لو أخطأ البصر . ولها روائع أيضاً يرشح منها العَطَن، خصوصاً عندما تمر بحالة من الاستنقاع حتى لو ظهر هذا الاستنقاع كما لو أنه مبالغة في الاستقرار .
وعندما قرأ المؤرخ جيبون خريف الرومان رصد مثل تلك الملامح، وهذا ما فعله آخرون مثل وايتهد وشبنغلر وتوينبي، فالتجاعيد التي تظهر على وجوه البشر في شيخوختهم لها ما يماثلها تماماً على وجه الحضارة وهي في طور الاحتضار، فالحضارة كائن حي كاللغة وككل ظواهر الوجود تمر بمرحلة الصبا والربيع ثم الشيخوخة لكنها لا تموت، إذ تتشكل من البذور التي تساقطت منها حضارات جديدة . لكن قراءة التاريخ على هذا النحو وبعيداً من كونه مجرد رواية أو “حدوتة” طويلة للتسلية، لم تكن على الدوام مُتيسرة للكثيرين ممّن لم يتجاوزوا مجرد سرد الوقائع من دون ربط أو مقارنة أو تحليل، وهذا ما تنبه إليه ابن خلدون الذي استحق بجدارة لقب علامة، لكونه رائداً في مجاله، فقد نبّه المؤرخين من بعده إلى مقارنة الروايات والبحث عن القرائن لترجيح خبر على آخر .
وبمقياس ما قد تبدو الحضارة الغربية الآن في ذروة عنفوانها، لكن المقياس الآخر قد يؤدي إلى عكس هذا الاستنتاج، لأن المدنية ليست هي المرادف الدقيق للحضارة، لأنها مجرد عمران ومظاهر واستعراض، لكنها بلا جوهر، فالمعيار فيها مادي وكمّي، والعيون تتجه إلى الخارج وليس إلى الداخل كي تحدّق إلى باطن النفس والوجود .
وعندما كتب العديد من الفلاسفة والمفكرين الأوروبيين عن تدهور الحضارة الغربية كانوا ينطلقون من هذا المعيار، فالحرب العالمية الأولى بكل حصادها المرّ دفعت أزوالد شبنغلر إلى كتابة ثلاثة مجلدات تحت عنوان أشبه بالنعي هو “سقوط الحضارة الغربية” . وفي خمسينات القرن الماضي أصدر البريطاني كولون ويلسون كتاباً بعنوان لا يقل تشاؤماً هو “سقوط الحضارة”، فهل يمكن لمن يقرأ هذه الكتابات التي أثارت جدلاً واسعاً لدى صدورها، أن يصدّق ما فيها من أطروحات عن تدهور حضارة بلغت هذا المستوى من التقدم التكنولوجي وغزت الفضاء والمجرات؟
في أوروبا ثمّة من صدقوا ذلك، ففضلوا الذهاب إلى الريف، ومنهم أساتذة جامعات ومثقفون كرسوا حياتهم للدفاع عمّا تبقى من لون أخضر في خريف حضاراتهم .
وخلال الحرب الفيتنامية كتب أحدهم يتساءل باستهجان . . إذا كانت هذه هي ثمرة الحضارة وخلاصتها، فالبدائيون أفضل، وبقدر ما فرح البشر لاختراع العجلة للمرة الأولى، حزنوا بعد ذلك لأنها لم تتوقف عند حدود خدمة الزراعة وتسهيل السفر، بل انتهت إلى دبابات تسحق لحوم البشر .
قد تبدو مثل هذه الآراء كما لو أنها من ظلال الرومانسية الغاربة، لكن الحقيقة غير ذلك تماماً، فمن الناحية العلمية الخالصة يقول علماء أمريكيون إن ما يتصاعد من زفير الصناعة في الفضاء قد ينهي الأوكسجين ويصيب البشر بالاختناق لأنهم محاصرون بالأكاسيد كلها .
ويرى علماء آخرون لم يتخلوا عن البعد الأخلاقي والإنساني للعلم، أن نظرية العلم للعلم فقط، هي المسؤولة عن هذا التدهور، فالإنسان الحديث بقدر ما صعد إلى الكواكب وأنجز ما هو مدهش وأقرب إلى المستحيل، هبط إلى الأسفل فقتل وأباد وعذّب وجوّع وشرّد مليارات الناس على امتداد خطوط الطول والعرض في هذا الكوكب المنكوب .
لقد شاخت إمبراطوريات عظمى وسقطت لأنها فقدت التوازن بين القوة والعدل، أي خلت من الكابح الأخلاقي، وأفضل تعبير عن هذا ما قاله بريجينسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، وإن على نحو مصغر وأقرب إلى السياسي من الفكري، فقد قال إن أمريكا في العقود المقبلة ستفقد قوتها ونفوذها مهما امتدت، لأن معادلة القوة والعدالة أصابها خلل جذري .





رد مع اقتباس