توفي الزوج فعملت الأم سائقة شاحنة
![]()
البيان
بمنتهى القسوة، تقلبت الدنيا من حال إلى حال. توفي الزوج مخلفاً وراءه تركة كبيرة من الديون، وأربعة أطفال كالورود اليانعة، في مقتبل العمر.
لم تكن ماضية جمعة، بالمرأة التي اختبرت مشاق الحياة، غير أن المحنة صنعتها، والنار العظيمة التي اكتوت بها ساهمت في صقلها.
مسؤوليات الحياة أحكمت الخناق عليها، حاصرتها من كل جهة، وذات مساء ذرفت دموعاً حارة على وسادتها، وتوجهت إلى السماء: ربِ اجعل لي مع العسر يسرا.
فما كان إلا أن خيوط الشمس حملت معها طاقة إيجابية، وعزيمة ماضية، وقررت أن تتحمل كامل المسؤولية على عاتقها في تربية أولادها وتأمين لقمة العيش الحلال، وتسديد ما تبقى من ديون. عملت فراشة في إحدى المدارس، وبعد ذلك حصلت على مكرمة بأن تم تخصيصها بمزرعة، وعلى الفور شحذت همتها وقامت بتأسيس المزرعة. كانت تعمل صباح مساء، مع رجال من جنسيات مختلفة، ونظرا لتنوع متطلبات عمل المزرعة، وكانت تشمر عن يديها وتؤدي بنفسها أكثر الأعمال مشقة وصعوبة، إلى درجة أنها كانت تقود سيارة الشحن لنقل الرمل والإسمنت من ضواحي مدينة العين، وتوفير مواد البناء إلى أن تم ضبطها في الساعة الخامسة صباح ذات يوم من قبل شرطة المرور، لقيادتها الشاحنة من دون رخصة قيادة.
قررت أم راشد الحصول على الرخصة، لتكون أول سيدة تقود سيارة شاحنة، ثم انخرطت مع العمال داخل المزرعة.
ولم تكتف بذلك بل قامت بعملية التوريد إلى الأسواق المحلية في مدينة العين وضواحيها، حتى وصلت منتجاتها إلى سوق العوير في دبي. كانت تصدر منتجاتها الزراعية من مختلف المنتوجات ،حسب الموسم، وتقوم بمراجعة الحسابات، إلى ان تطورالعمل وبات التجار انفسهم يبعثون بسياراتهم للمزرعة للحصول على المنتجات. أصبحت أم راشد واحدة من أهم "سيدات الأعمال" ممن يحترفن الزراعة وتسويق المنتجات الزراعية، وجعل الله يسراً مع العسر ومن بعده. ارتفع الطلب على منتجاتها، فحولت حديقة المنزل الذي تقطنه إلى مزرعة حمضيات وخضروات.
تقول: بعد رحيل زوجي حاول أهله انتزاع أطفالي من حضني بدعوى أنني غير قادرة على الإنفاق عليهم، وكنت في نحو العشرين من العمر، الأمر الذي أشعل جنوني. تجاوزت هذه الصعاب، لأني لم أتخيل حياتي من دونهم، هم منحة الله، وكان عليّ أن أفعل المستحيل للحفاظ على هذه المنحة، والاحتفاظ بها. كل المشقة والتعب والعناء الذي أتكبده لا يعدو شيئاً مقابل لحظة أضم فيها أولادي إلى حضني. وتضيف: الديون التي لاحقتني بعد رحيل زوجي كانت قيداً ثقيلاً،
فليس هناك أصعب من أن تنام وفي ذمتك ديون للناس، وخلفك اطفال يريدون لقمة العيش، فكم من ليلة حرمت فيها نفسي من الطعام حتى اوفره لأبنائي. وحرصت ام راشد على ان يتابع الأولاد تعليمهم. تخرجت البنت الكبرى في كلية القانون، لتعمل في سلك الشرطة برتبة ضابط كأول سيدة مدربة للكلاب البوليسية، كما درست البنت الثانية في كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة الإمارات، وهي تعمل أيضا في سلك الشرطة، فيما درس الأولاد في كليات التقنية العليا وتخرجوا منها ايضا، وأصبح لكل واحد منهم مصدر رزقه وعمله واسرته، وتربطنا أواصر المحبة والألفة. وفضلت أم راشد البقاء في مزرعتها، لتدير شؤونها بنفس الهمة والنشاط، ولم تغادر منزلها، على الرغم من إلحاح الأولاد عليها أن تنتقل للعيش معهم، وحرصهم على رد الجميل لها. تقول: يطالبونني بأن أستريح، غير أنني لم أعد أجد راحتي وسعادتي إلا في العمل والكفاح.
وتحتفظ أم راشد في منزلها بشهادات تقدير تعتز بها من حرم صاحب السمو رئيس الدولة، وشهادة تقديرمن بلدية العين لحصولها على جائزة أفضل حديقة مدرسية، اضافة لعدد من شهادات التقدير من جهات اخرى تقدر كفاحها وتعبها وتميزها في المجتمع.





رد مع اقتباس

