مالك الحزين في ميدان التحرير
يوسف أبو لوز
* دار الخليج
في مارس/ آذار ،2002 أي قبل اندلاع ثورة 25 يناير في مصر بنحو تسع سنوات، كتب الروائي الراحل إبراهيم أصلان مشهداً جرت وقائعه في ميدان التحرير في القاهرة، يصور فيه سائق عربة يتوقف عند مدخل السفارة الأمريكية لأحد الركاب “الراكب هو نفسه إبراهيم أصلان” الذي يقول “ . . عندما انتهيت من وضع حزام الأمان على كتفي من دون أن أشبكه في القفل المثبت على يساري، رأيته (أي رأى السائق) يتطلع في المرآة التي أمامه ويقول . . الله . . هو أخد نمرتي ليه .
كان عجوزاً وصوته خافت جداً . سألته:
“هو مين؟”
“الضابط
استنكرت ما حدث وقلت:
“مش معقول”
“والله أخد نمرتي”
بهذه الروح الشعبية يكتب الراحل إبراهيم أصلان خصوصاً في كتابه “خلوة الغلبان” . إنها، بكلمة ثانية كتابة الميدان القاهري الذي أصبح اليوم رمزاً للتحول والتغيير والجرأة أيضاً، الجرأة على محو ثقافة الخوف إلى الأبد، ثم تحويل هذه الثقافة إلى فعالية إنسانية حرّة، أي حرية الإنسان من داخله، وهي فكرة لم تغب عن كتابات أصلان الذي حلّت روحه بين جناحي طائر مالك الحزين . . طائر الأسطورة الشعبية التي انتقلت من كونها مخيلة إلى كونها واقعاً مرئياً للعالم كلّه، مرة ثانية، في ذلك الميدان الذي كان أصلان يلتقط منه بعض التفاصيل أو بعض اليوميات التي تتحول بقلم هذا الكاتب البسيط أو السهل الممتنع مادة روائية أو قصصية حيّة، وهي حيّة لأنها مأخوذة من نبض الناس العاديين البسطاء . . الخارجين أحياناً من ظلال المقابر والعشوائيات الباردة .
عاش إبراهيم أصلان إلى أن رأى ميدان التحرير رمزاً مكانياً للحرية، وكأنه اكتفى بهذا الحلم الذي أصبح حقيقة، وهكذا انسحب بهدوء بعد العديد من العمليات الجراحية في القلب، قلبه الذي حمل أشواق ملايين المصريين . . هؤلاء الذين لا يعرفون لماذا يأخذ الضابط أرقام سياراتهم، وإذا اقترحت على أحدهم ألا يسكت وأن يسأل “لماذا تأخذ نمرتي” يقول “ . . أسأل إيه وأنيّل إيه؟ هي دي بلد حدّ يسأل فيها عن حاجة؟” .
الآن تغيّرت الصورة، ولأن صوت السؤال المصري ارتفع عالياً . . ها هو مالك الحزين يرفرف ويختفي في السماء .





رد مع اقتباس