تاريخ الخبز
يوسف أبو لوز
* دار الخليج
مَنْ كتب تاريخ الخبز؟
علماء الاجتماع والانثروبولوجيا والجماليات والحضارات وضعوا تاريخاً للملح وللتعذيب وللبحار وللحروب وربما هناك من كتب تاريخاً للموت وللضحك وحتى الكآبة، لكن، يبدو الخبز بلا تاريخ، أو أنه تاريخ منسي أو تاريخ صعب، فمَنْ من البشر لا يأكل الخبز، ثم أليست أشرس الثورات هي ثورات الجوع؟
على أرصفة القارّات . في كل مكان وزمان انظر ما الذي يفعله الرغيف، هذا الذي يبدأ مع صباح الإنسان وحتى مسائه؟ . . الرغيف الذي يخرج ساخناً من قلب النار، ليذهب بطيئاً إلى المعدة التي هي بيت الداء لأولئك الذين تثقل أجسادهم التخمة، أما الفقراء فيكتفون بالقليل، حتى القليل من الماء . القليل من النوم .
لا ينام الجائع عميقاً . وهو أيضاً مصنوع من الخفّة، أقرب إلى وجه الأرض . أقرب إلى وجه الله، ولو نظر الجائع إلى السماء سيظن القمر رغيف خبز، ولكن القمح لا ينمو في الغيوم . القمح ابن التراب . من لحم التراب يخرج رغيف الخبز، يصنعه فقراء الأرض ويأكله أغنياؤها بالزبدة والكافيار، ولا بأس بالقليل من النبيذ المعتق الذي يشبه الدموع المعتّقة هناك على الضفة الأخرى من الحياة، حيث الجوعى يطبخون الحصى، ويبحثون عن اللقمة على الرصيف .
من يكتب تاريخ الخبز؟
وحدهم الفلاحون الفقراء يعرفون تلك الروح الآدمية المقيمة في نسغ القمح الذي يولد منه الرغيف، وحدهم من يعرفون تاريخهم الحنطي هذا . تاريخ النار والتراب . وحدهم فقراء المدن والأرياف والكهوف في الشرق وفي الغرب من لا يشعرون بالامتلاء سوى امتلاء القلب والذاكرة .
قلب الفقير مملوء بالشعر، وذاكرته مملوءة بالحكايات، ولذلك يكتبون الأغاني بالفطرة . يولدون بالفطرة ويموتوت بالفطرة . بشر من هذا النوع لا يتسول حتى لو جفّت معدته، حتى لو كان تحت خط الفقر، تُرى من رسم هذا الخط؟ ومن أي أنواع الخطوط هو؟ . . أي تاريخ لهذا الخط؟ أهُوَ خطّ الدموع أم خط العرق البشري الذي يتصبب على الأرصفة التي في كل مكان، وما أكثرها في جنوب الأرض وفي شمالها . في شرقها وفي غربها، حيث يقيم بعض البشر في ذواتهم . يقيمون في أنفسهم العزيزة .
مَنْ يمحو تاريخ الخبز؟
مَنْ يمحو خط الفقر في أمكنة، حيث تتحول حياة الإنسان فيها إلى ألبوم من الصور المتتالية . صُور بالأبيض والأسود فقط . لا حاجة إلى الألوان . فقط لون الدموع التي تسقط على الرغيف، فيتحول إلى زهرة لوتس آسيوية تماماً، تماماً .





رد مع اقتباس