فائق الخالدي: الحكواتي بوابتنا إلى التراث الأدبي
يعتبر الشاعر العراقي فائق الخالدي أن الشهر الفضيل هو أكثر من مجرد مناسبة، وإنما هو الطريق نحو غايات، ويقول: “السنون مطافات المحطات، وما بين المطاف والغاية محطات تستقيها لوازم المضي، وهذا ما يشكله رمضان، فهو خصيصة الركب، ومحطة الراحة، وهو الذكريات التي لا تستطيع الأحداث مهما تتالت محوها من ذاكرة الإنسان” .
بهذا الوصف الشعري يعود الشاعر الخالدي بذاكرته إلى رمضان في طفولته، عابراً سنوات طويلة بين ما أصبح الإنسان عليه بعد رحلة عمر طويلة، وبين طفولة جميلة ما زالت ماثلة في الذاكرة “كنا نرقب حلول رمضان ونحن أطفال، وكانت أجواء الحارة غير ما اعتدناه طوال العام، وكان العطاء سمة هذا الشهر، وسمة الناس، حيث الرقة والطيبة، وعذوبة الوقت، فالليل ليل آخر، وكذلك الفجر” .
ويصف الخالدي تلك الأجواء الرمضانية الإيمانية فيقول: “كانت طبلة المسحراتي لها مذاق خاص، والتكبير وأذان المغرب، وحلقات الفرح، وطعام السحور، حيث يصبح الليل ليل الجميع بما يحفل به من جلسات السمر بين أفراد العائلة وبين الأقارب، كما أن للرجال تواشيح وأذكاراً وذهاباً إلى المساجد، وللنسوة زيارات الجيرة والأهل، أما الأطفال فكان لهم فوانيسهم الملونة التي يجوبون بها أزقة الحارات، بينما تنشد حناجرهم عند أبواب المنازل تسأل الحلوى، والزبيب، ليعودوا بعدها ويتحلقوا عند مقهى الحارة، حيث ينصت الجميع إلى ما يرويه الحكواتي، مثل قصة الزير سالم، ومجنون ليلى، وعشق ابنة السلطان لعلاء الدين الفقير وبساطه ومصباحه، وكانت تلك الحكايات بوابتنا إلى التراث الأدبي للحضارة العربية” .
ويتابع الخالدي : “ولنا بعد هذا نصيب من الحلويات، مثل القطائف والكنافة وشعر البنات التي لا نتذوقها إلا في شهر رمضان من العام التالي، إضافة إلى الموائد التي لا نعرف ما نتناول منها لكثرة ما فيها من أطعمة شهية” .
وفي تذكر الخالدي لأيام الطفولة في رمضان يشعر المرء وكأنه أمام لوحة ملونة، ومزخرفة، وتحتوي ما هو روحاني من خشوع وصلاة، وفيها ما هو دنيوي ومرح وحي بالنسبة للأطفال الذين يعيشون رمضان بروح خاصة، فيها الاطلاع والمعرفة على الأمور الدينية، وفيها فرح اللعب الطفولي، وفيها التعرف إلى التراث، وفيها مشاركة الآخرين، وكل تلك الحياة المتعددة في رمضان تقود الأطفال يوما إثر آخر نحو العيد الذي يشكل بحسب الخالدي حالة من الترقب طوال أيام الشهر الفضيل “نعيش الترقب بالعيد الذي يتميز بالنسبة لنا بالثياب الملونة الجديدة، واللعب، وزيارة الأقارب، وما زالت ذكرى تلك الأيام ماثلة حتى اليوم في الذاكرة، وتعود مع عودة رمضان في كل عام، ونحن نشعر بالأسى لأن رمضان اليوم في عصر التكنولوجيا غيّر من طبيعة الحياة في هذا الشهر، حيث سيطر التلفاز على حياة الأسرة، كما سيطرت حالة الإسراف والاستهلاك عند الكثير من الناس، وقل السؤال عن صلات الرحم” .
ولا يغفل الخالدي الحديث عن القراءة والكتابة في شهر رمضان، ويقول: “كانت الأوراق الملونة واحدة من سمات رمضان، حيث يصبح للكتابة رونق مميز، خاصة كتابة الآيات القرآنية الكريمة، وكنا نقوم بلصقها على الجدران، وفي أحيان كثيرة ننشغل بالكتابة لساعات بينما كانت أمهاتنا يحضرن الأطعمة” .






رد مع اقتباس