جمعه الفيروز , هذا الكائن الشفاف , شفاف في تعامله وإنسانيته , والذي يشبه الى حد ما, البيت بكل تفاصيله واركانه المطرز بحكايات واساطير خرافية , إذا هو بيت شفاف وبنوافذ كثيرة , مطلة على عوالم وفضاءات الوعي والفن والحس والأدراك ومن هذه الوثبة ( الأفلاطونية ) يدرك قيمة الزفرة وقيمة الصهيل وكيف يتحول الى نجمة مضيئة او الى كوكب يستوعب حجم هذا الأنسان المشتعل من الحب ومن التسامح ومن الأخلاق , ومن هذا الأنطلاق الواعي أو من الوعي يطلق للعالم كلمات ويترجم الحانا في متناول اليد ولكن بحس فنان خلاق, يعمل بهدوء مبالغ لدرجة الغياب , ومن ثم يبعث برسائل لاتحمل عناوين, عنوانه سديم وفضاء هذا العالم , وفي خضم مشهد المكان , بأعتباره احد ابناء راس الخيمة , وكما هو معروف فأن الراحل من مواليد 1955م درس الموسيقا في القاهرة وتخرج من معهد الموسيقا العربية سنة 1975م , وحين أقول انه يشبه البيت , هذا البيت يطفو على ماء الذاكرة , ومغلق على اسرار دفينه , وبالآم مريرة سوداء , البيت في الأعراف وفي المفهوم الهندسي هو عملية فنية ايضا , باعتباره قصيدة او لوحة رائعة وبلمسة انسان حساس وشغوف, وحين يشرع المهندس في التخطيط فهو بالتالي يقرأ الأرض باعتبار ان الأرض هي الورقة الذهبية المقدسة التي لاتتحمل أدنى خدش أو تشويه , لذا يدلف المهندس الي اعماقه مستدعيا نداء المجهول كذلك لانستبعد أنه يضع خده على الزوايا ليقيس نبض وعافية الأركان , اليست علاقة الأرض بالبيت هي علاقة العشق والهيام والتحام ابدي لانظير له , وخير دليل على مستوى الذاكرة العربية اشعار وقصائد ( قيس بن الملوح ) وجل مفرداتها هي , البيت , والدار , والأرض , اذا وكي لااذهب بعيدا عن الراحل ( جمعه الفيروز ) وتشبيهه بالبيت لأن البيت كذلك يترهل ويمرض ويشيخ حين لن يجد من يعتني به أو حين يهجره اصحابه , ويشتعل البيت بعافية , فقط بلمسة رقيقة بكلمة , بهمسة عاشقين في الركن الأخير , كذلك بشغب وشقاوة الأطفال , لنلقي نظرة ومن زاوية أخرى مثلا , البيت في ذاكرة اللص اشبه بند وخصم عنيد لذا تجده يتربص الزوايا المريضة , واما في مخيلة الشاعر فأن البيت هو الركن الثابت والذي من حوله يتحرك الكون , كتب الراحل من هذا المنطلق عن الأنسان البسيط , والعامل الكادح , والشاب المغامر , وايمانا بالكلمة الصادقة والتي تخرج كالذهب من الأعماق البعيدة , وبروح المغامر والمكتشف في حين وآخر , لم يلغى أو يهاجم احدا , كل ماهو انه اسنطاع ان يلون ذاته , ويلون جدران ايامه المطلية بالعتمة قسريا , بلون يشبه اعماقه وانفاسه البيضاء , ايمانا منه بنداءات وإشارات كانت تصل وتطفو على سطح اعماقه البيضاء مثل زهرة الزيزفون , وهو فارس هذه الجولات وفارس لتلك النداءات , في الحقيقة كان الراحل جمعه الفيروز, يعاني من مرض جسدي إلا ان روحه واعماقه وحسه كإنسان و كمبدع استطاع ان يتغلب ويقهر المرض والذي لايرحم , نجد ه بين السطور والكلمات اشبه بحصان يعدو في صحراء هذا الكون , لكن بدموع الخيبة والخذلان , وفي صوته إيضا إنكسار احلام , وحطام رجل تكالب عليه الدهر , إلا ان الشاعر لايموت هكذا ! وكما اعتقد ويؤمن الكثيرون ان موت الشاعر هو موت حتمي وعدالة سماوية أي موت ( بيلوجي ) بالتالي الراحل وفي غمرة مرضه اذ جاز التعبير كان يبعث بإشارات وبعلامات ضوئية الي الأخر وعلى الالحان , سيكتشف للوهلة الأولى كم هي رائعة وصادقة وكم من السذاجة ومن الغباء ايضا وقلة الذوق ان نترك هذه الأعمال المبهرة والنفيسة بين طيات الكتب وحبيس الأدراج , اليس من الأجدى ان ترى النور ولاسيما في عصر انحطاط الذوق والقيم وانحطاط الفن برمته بدءا من الموسيقا وانتهاء بسائر الفنون , لذا اقول وكما اسلفت هذه الأعمال يجب ان ترى النور ولو بعد غياب الفيروز جسديا , وعلى القائمين والمعنيين ان يضعوا حدا لتغييب الأعمال المحلية المبدعة وان يشرعوا بترجمة ,رؤية محافظة على هذا الموروث الثقافي , والذي يكون بمثابة رد اعتبار لهذا الراحل المبدع وايضا للأخرين , اذا مات جمعه الفيروز ولم يتكفل احدا ما بأستخراج اعماله الي النور , باستثناء مجموعته الشعرية (ذاهل عبر الفكرة ) والتي صدرت ضمن منشورات اتحاد كتاب وأدباء الامارات وبعد رحيله قامت دائرة الثقافة والأعلام بالشارقة باصدار مجموعته القصصية ( علياء , وهموم سالم البحار ) نحن نرفع قبعتنا لهاتين الإدارتين ونثمن جهودهما , لكن اين الآخرون المدعون والذين يقولون بأنهم مع الثقافة المحلية وبأنتظار من يرفع اصبع سبابته ! ماذا لو أقيم كرنفال يليق بمكانة وابداع جمعه الفيروز , كرنفال بحيث يعرض جميع اعماله الفنية والحانه ويقراء اعماله القصصيه وقصائده المنشورة والتي لم تنشر الى الان معنى ذلك ان نقيم له ( يوما ثقافيا ) هل هذا بالأمر المستحيل وبحاجة الي التفكير !!
حين أكتب عن هذا الأنسان تسبقني كلماته وابتسامته التي تحمل الأسى والألم معا , هكذا عاش الفيروز لامعا في عزلته و جميلا في وحدته ومغبونا في انسانيته , ورحل منتصرا بكبرياء شاعر , لم يداهن ولم يتزلف , ولم يذهب الي الموت مفلسا أو عاريا , بل ذهب منتصرا على الظلام والحقد والأنانية والجلاد , ذهب مثل ذكرى غيمة تغسل شوارع وأزقة جلفار او مثل نسمة الريح تداعب الأشجار والأغصان هناك في ( السدروه ) حيث مسقط رأسه , حيث الأصدقاء الجميلون وهم يضعون الورود على قبرك وهم ,عبد العزيز جاسم. احمد الكدري , احمد العسم , عبدالله السبب, احمد سالمين, احمد منصور, ناصر بوعفراء..... وآخرون ربما لايسعفني المقام ان اذكرهم جميعا, لقد ترك لنا ارثا خالدا, وهذا الكنز لم يكتشف او يعلن عنه بعد , هو بيت يطفو على بحار العالم بنوافذ متعددة , وهو سهما انطلق في ابدية هذا الليل , لنستدل الدرب ونجتاز النهر بسلام ونجتاز ذواتنا واعماقنا الضحلة , الكتابة عن جمعه الفيروز ليس من الأمور المستعصية , كذلك لااستطيع ان اقول بمقدوري ان ابوح بعضا من الأسرار من المنطلق الأدبي واخلاقي , ستسقط اشياء ومواقف لأعتبارات جمة , الا ان الكتابة الصادقة حتما ستصل الي قلوب متعطشة صادقة للكلمة
هاشم المعلم