ذكرى المولد أم الرحيل؟
مقال لخيري منصور
أيهما أدعى للاستذكار، شفق المولد أم غسق الرحيل؟ هذا سؤال طرح مراراً ودار حوله سجال بين من بكوا على الأطلال ومن صاحوا كالديكة عليها، وقدر تعلق هذا بمناسبة ذكرى الرحيل للزعيم عبدالناصر، فإن تسعة وثلاثين عاماً لم تكن كافية للنسيان، فالرجل فاض عن مساحة قبره، وأمثاله من الشخصيات التاريخية الإشكالية يموتون إلى حدّ ما ولا يدفنون تماماً، لأن ظلالهم تبقى وكذلك أصداء الوقائع التي صنعوها.
بعد تسعة وثلاثين عاماً يعود السؤال عن سبب الرحيل، وتروى حكايات منها ما قاله الشاعر أحمد فؤاد نجم عن عبدالناصر وهو أن الرجل تعرض لاغتيال بطيء من خلال سم عضوي، يصعب التعرف عليه وتشخيصه، وهذا ما يقال أيضاً عن الراحل عرفات. وستبقى هذه الملفات مفتوحة إلى أن يطرأ ما يحسم الأمر، سواء تعلق الأمر بناصر أو بياسر، كلاهما كان له حواريون وأصدقاء وأعداء وبين هؤلاء الكثير ممن يسمون الأعدقاء الذين يخفي ظاهرهم الباطن، وأحياناً يلبسون لكل حال ما يلائمه، ويقدمون لكل مقام مقالاً.
وقد لا تغرينا الهواجس البوليسية والحبكات الروائية للتاريخ بالمضي بعيداً عن المناسبة، وهي باختصار ما الذي تبقى من جمال عبدالناصر بعد تسعة وثلاثين عاماً، تبدل فيها العالم كثيراً، واستدار فيه ما كان مربعاً بقدر ما تبادلت الأطراف الأدوار، فالطبال أصبح زماراً، مثلما تحول الزمار إلى طبال ومن أفاقوا من الغيبوبة وعاد إليهم الوعي تعهدوا نقد مرحلة حاسمة وبالغة الحيوية في تاريخنا الحديث، وحذفوا منها وأضافوا إليها بحيث أعادوا إنتاجها تماماً كي تلبي الرغبات والمواقف الجديدة.
لكن التاريخ ليس طيعاً أو رخواً إلى هذا الحدّ فهو يعج بالشهود والقرائن ومن يسلب منه الاعتبار ولو إلى حين لا بد أن يعاد إليه، وقد أضيف إليه الاعتذار.
في آخر مؤتمر لدول عدم الانحياز كانت أصداء خطاب ناصر تسمع من بعيد، ولاحت ملامحه وملامح جواهر لال نهرو وجوزيف تيتو وآخرين في خلفية المشهد، لكن العالم الذي أصبح آحادي القلب سياسياً وأحادي البعد ايديولوجياً لا يرى في الماضي حتى لو كان قريباً غير ما يكرس أطروحاته، لهذا بدت كتلة عدم الانحياز كما لو أنها فولكلور سياسي عديم الفاعلية، لأن الشرط الذي اقترنت به دول عدم الانحياز هو الحرب الباردة التي لم تعد موجودة إلا باعتبارها فوستالجيا ثقافية أو غنائية.
لم يتنكر عبدالناصر لمن سبقوه، واعترف بأنه خرج من معطف أحمد عرابي، وبعد ذلك من عباءة ثورة 1919 رغم كل الافتراق المعروف بين ضباط يوليو وحزب الوفد.
ما من زعيم في التاريخ الحديث ظفر بما ظفر به ناصر من الكاريزما والجاذبية في النطاق القومي بأسره، وما من زعيم مثله تعرض لهذا النقد الذي تجاوز حدود المعقول وأصبح نقضاً، وتلك خاصية تاريخية لشخصيات إشكالية، وغير محايدة، فالفترة التي حكم فيها ناصر مصر سياسياً والعالم العربي عاطفياً ووجدانياً كانت حرجة، فهي أول رد فعل قومي على نكبة ،1948 وعبدالناصر كان أحد شهود تلك النكبة ودون يومياته في الفالوجا المحاصرة، وقرر أن يثأر لكرامته الوطنية والعسكرية.
انتصر عبدالناصر وهزم أيضاً، وبنى وهدم وأصاب وأخطأ، وهو كما وصفه الشاعر الراحل محمود درويش لم يكن نبياً ولكن ظله أخضر.
يتذكره الآن من تعلموا في الجامعات بفضل قراراته ومن قاتلوا معه في خندق واحد مثلما يتذكره من خذلوه، وحبذا لو تكون ذكرى الرحيل مناسبة للتقويم العادل وليس لتصفية الحسابات.
* نقلا عن دار الخليج





رد مع اقتباس

