طلحت حمدي في غيابه
إبراهيم اليوسف
* دار الخليج
جاء غياب الفنان السوري الكبير طلحت حمدي “1938-2012”، الذي توقف قلبه عن النبض في العاصمة الأردنية، عمان، يوم الثلاثاء الماضي، إثر تعرُّضه لنوبة قلبية حادة، بحسب وسائل الإعلام، بعد نحو أربعة وسبعين عاماً من عمر حافل بالعطاء الفني، والتجربة والموقف . والفنان الكبير حمدي من عائلة كردية دمشقية وطنية عريقة، كرّس حياته، منذ مطلع شبابه في خدمة رسالة المسرح، كي ينتقل بعد ذلك إلى الدراما التي ستأخذ بلبه، لاسيما بعد أن يغدو نجماً لامعاً .
وعلى امتداد بضعة قرون، من الولع الاستثنائي بعالم خشبة المسرح، قدم حمدي نحو ستين عملاً مسرحياً وتلفزيونياً وسينمائياً، في أقل تقدير، ومن بينها أمَّات الأعمال الفنية الكبيرة التي تركت أثرها الكبير، في نفوس متابعي الدراما السورية التي تصدرت المشهد الفني خلال السنوات الماضية، بامتياز، مثل: دائرة النار-أنشودة المطر- حمام القيشاني- نمر العدوان- حارة الجوري- تل اللوز- طرابيش- المستجير -ساري -السنوات العجاف -المكافأة- شاري الهم-حسيبة “فيلم سينمائي- صراع على الرمال- الشام العدية . .” وغيرها، حيث عمل في ميدان التمثيل، والإخراج، إلى جانب الإنتاج، ويعدُّ بجدارة أحد آباء المسرح السوري، في نظر الكثيرين من فناني الأجيال اللاحقة، حيث احتضن مواهب أجيال فنية متتالية، ورعاها بروحه الأصيلة، ونبله، وسمو أخلاقه .
تميز الفنان الكبير حمدي كاكا الأيوبي، بوفائه لعالمه المسرحي، ومكانه، وأهله، وللقيم العالية التي يحملها، وكثيراً ما تعرض بسببها، للمضايقات، فقد كان لسان حال البسطاء والمظلومين، ولعلَّ حادثة تناوله لبعض قضايا المعلمين في أحد أعماله، عرضته للملاحقة والمساءلة، بل إنه هو من قال ذات مرة لأحد وزراء الإعلام في بلده “إن أجري اليومي هو أربعون ليرة سورية وهو أقل من أجر “الدابة” التي تم استئجارها لخدمة عملنا الدرامي”، ولعلّ تركه ل”المسرح القومي” في بلده، كان نتيجة مثل هذه المواقف، لاسيما أنه كان يتعرض نتيجة التزامه بالعمل المؤسسي للضغوطات من قبل المعنيين .
لقد صرَّح حمدي في أحد الحوارات الأخيرة التي أجريت معه، منذ سنوات قليلة، أنه لن يتردد في المشاركة، في أيِّ عمل فني، “يحفظ له ماء وجهه”، ولا يقلل من منزلته، واسمه، وحضوره الفني الكبير، لاسيما في ظل هيمنة التجاهل الذي تعرض له، نتيجة الفساد، قارعاً الأجراس بذلك، ليس من أجل حالته الشخصية، فحسب، بل من أجل ضرورة الانتباه إلى أحوال أعداد كبيرة من أمثاله الفنانين العاملين، من ذوي البصمات الواضحة في الفنِّ، وهم تحت وطأة المعاناة، والتهميش، بعد أن سيطرت مؤسسات إنتاج قليلة، على الساحة الفنية، وكانت مؤسسته التي أطلقها، إحدى ضحايا المعادلة المختلة في مجال الإنتاج .
وحقيقة، إن الفنان حمدي، ينتمي إلى جيل هؤلاء البناة الكبار الذين قبضوا على الجمر، ووجدوا في الفن وسيلة، كي يقدموا من خلاله خطابهم، لأنهم رأوا أن الفن الحقيقي هو من يخدم الوطن والإنسان، لذلك فهو يعدّ مدرسة أصيلة في الفن والثقافة، ولا يمكن للفراغ الذي يتركه غيابه، أن يملأ قط .





رد مع اقتباس
