"بيكاس" يجسّد معاناة الإنسان في كردستان
يتنافس فيلم “بيكاس” على جائزة المهر العربي للأفلام الروائية الطويلة ضمن باقة الأفلام المشاركة في مهرجان دبي السينمائي لدورته التاسعة، وقدم المخرج كرزان قادر مع بطلي الفيلم الطفلين زمند طه وسروار فاضل والمنتجة السويدية ساندرا هارمز في مؤتمر صحفي ضمن فعاليات المهرجان، حيث تحدث فيه المخرج عن مرحلة إعداد الفيلم والآلية التي فيها اختيار الطفلين، وعن رسالة الفيلم ورؤيته الإخراجية التي كانت المشاعر الإنسانية والتجارب الشخصية واضحة فيها .
تحدث المخرج العراقي كرزان قادر عن تجربة الفيلم وأبعادها النفسية والشخصية وقال: الفيلم يعكس التاريخ والوضع السياسي في العراق في فترة التسعينات، ويركز على مفهوم المعاناة والتشرد، وهذه القصة كتبتها من وحي تجربتي وذكريات مظلمة، عندما كنت صغيراً وهجرت من بلدي في سن السادسة مع عائلتي إلى السويد، وحنيني إلى هذا الوطن مستمر، وحاولت في هذا الفيلم إحياء هذه الذكريات، فأنا مهاجر ومهجر من كردستان العراق، ومن حقي أن أترجم مشاعري تجاه الوضع السياسي، الذي كان سائداً في حكم صدام حسين، واخترت الصبيين “دانا” و”زانا” لنقل مشاعري في الفيلم، لأنني كنت طفلاً وعشت هذه السن، والفيلم يعكس حياتي في الصغر، ومشاعر الألم والمعاناة والخوف، و”زانا” في الفيلم هو قصتي في الواقع عندما كنت صغيراً، و”دانا” الأخ الأكبر . وعودتي إلى حقبة ماضية من تاريخ كردستان العراق فيه مغامرة فهو يروي قصة المعاناة والتشرد مع ملامح كوميديا مثيرة وبصيص من الأمل وحب الحياة .
ويتابع وصف مشاعره وألمه في طفولته وعن ما إذا كان الفيلم قد داوى جروحه أو فتحها قال: جروحي بليغة كثيرة، وهذا الفيلم يداوي جزءاً منها لأن بداخلي حرب نفسية داخلية لا تهدأ وسوف أداويها بقصص الأفلام التي سأخرجها و”بيكاس” هو الفيلم الأول الذي سيداوي جروحي التي ستنتهي فيلماً بعد آخر، لأن القصة ملتصقة بحياتي في الصغر، وأحسست بعد أن كبرت وأصبحت شاباً أن الوقت قد حان لأترجم معاناتي سينمائياً ويراه كل الناس في أول فيلم روائي يعكس نضجي الفكري في سرد أحداث القصة .
وأضاف عن محاكاة نظرته للصورة الإخراجية وضرورة ملامسة تفاصيل المكان في كردستان العراق: قبل عمل هذا الفيلم، كنت قد زرت كردستان، واتصلت بكل تفاصيل المكان والحياة فيها، والتصاقي بهذه المنطقة هو ما ولد كل هذه المشاعر والأحاسيس التي وضعتها في الفيلم، وكان لا بد من كل هذا التعايش المعنوي، فأنا لا أستطيع أن أعمل فيلماً وأنا بعيد عنه نفسياً، وهذه النقطة مهمة للغاية، وكما خرجت منها طفلاً خائفاً وأشعر أنهم سيقتلونني ويقتلون عائلتي عدت إليها الآن رجلاً حراً أو يمكن أن أقول عدت إليها “رامبو” الذي لا يخاف من شيء .
وعن المفارقات السينمائية التي تخللت التحضير لهذا الفيلم، قال: درست الإخراج في معهد الدراما “دراما ستيكا إنستوتيت” في السويد لمدة ثلاث سنوات، وكان دائماً يقول لي المعلم لا تستخدم في فيلمك أياً من الرموز التالية (حيوانات وأطفال أو ممثلين هواة غير محترفين) لأن هذا سيضعف قيمة العمل السينمائي، لكنني فعلت عكس ما تعلمته في المعهد واخترت طفلين هاويين وحيواناً هو الحمار، لإيماني بنظرتي الإخراجية العميقة تجاه عناصر الفيلم ومكوناته من وراء الكاميرا، فعيني وإحساسي هم من سينجحان في محاكاة القصة وملامستها أحاسيس المشاهدين وبالتالي إيصال رسالة الفيلم وهدفه الواضح .
وفيما إذا كان الفيلم قائماً على الطفلين فقط تحدث: نعم أحداث الفيلم كلها محمولة على كتفيهما النحيلين، ومن يشاهد الفيلم سيلاحظ تكرار كلمة “كاكا” وهي كلمة كردية وتعني الأخ أو الصديق واستخدام المفردات الكردية له خصوصية وأهمية، تعرف المشاهدين بهذه اللغة، إضافة إلى رمز القوة “سوبرمان”، لكن قبل ذلك كنت أعتقد في صغري أن شخصية “رامبو” الكرتونية هي من ستتخلص من السياسيين الطغاة، لكنني وضعت سويرمان بدلاً من رامبو، نظراً لأن شخصية “سوبرمان” الأكثر عالمية ولها رونقها التجاري الخاص بين الناس وبخاصة الأطفال، ولا يحتاج مني لأي إضافة في الإيحاء، فسوبرمان هو رمز القوة الخارقة التي تنقذ كل من هو بحاجة لمساعدة وتفكيري الطفولي آنذاك كان يدور حول هذه المفاهيم التي طرحتها في الفيلم وترجمها الطفلان زانا ودانا اللذان كانا يطلبان حضور “سوبرمان” ليعيد لهما أبويهما المفقودين .
والمصادفة هي التي جمعتني بالطفلين زانا ودانا، حيث يعيش زانا في الواقع في دار للأيتام وحيويته وحركته ومشاكسته مع زملائه في الدار هي ما لفتت انتباهي إليه إلى درجة أنني عندما اقتربت منه وضع يده في جيبي وقلت بسرعة في داخلي هذا الطفل الذي أبحث عنه، وخلال حديثي معه بدأ يقترب من كاميرا التصوير التي معي وطلب مني أن يتعرف إليها عن كثب، وكان يدور ويجول حولي لكنني خفت على الكاميرا أن يوقعها كونه شديد الحركة من جهة، ولأن الكاميرا باهظة الثمن من جهة أخرى، وبعد أن اخترته وبدأ تصوير المشاهد أحسست بصعوبة في ضبط حركته والتحكم بها، خاصة أنه مشاكس ومع تكرار المحاولات استطعت أن أضع قيوداً على حركته وأصبح أكثر استماعاً للتوجيهات وشجاعته في الأداء والتمثيل كانت واضحة لكل من شاهد الفيلم، خاصة في التأقلم مع فريق العمل السويدي، حيث يبلغ عددهم 15 شخصاً والذين يختلفون في ملامحهم عن الأكراد الذي هو منهم، إلى جانب أن جمال شخصيته في الواقع تكمن في حديثه الطفولي الذي يشابه الصراخ أو الفرقعة .
أما دانا فالمصادفة هي ما قادتني إليه عندما أخبرني مدير مدرسة في كردستان أنه يوجد طفل بنفس المواصفات التي طلبتها، لكنني قبل الذهاب مع مدير المدرسة إلى هذا الطفل جذبت إلى دانا واختبرت أداءه على الفور ونجح بامتياز .
الفيلم من إنتاج سويدي وفينلندي وقالت المنتجة السويدية ساندرا هارمز عن الفيلم والتعامل الأول مع المخرج كرزان قادر: لم يكن هناك أي صعوبة تذكر في الإنتاج المشترك بين العرب والسويدين فقد قدم المخرج كرازان نبذة عن الفيلم بشكل مؤثر ومقنع مكننا من الموافقة الفورية على هذا العمل السينمائي ونتمنى إنتاج أفلام أخرى في نفس المستوى، ومن جهة أخرى تزامنت أحداث الربيع العربي أثناء التصوير ونتيجة التأثر بالأوضاع السياسية عاد فريق العمل كله إلى السويد وهذا الوضع بالطبع جزء لا يتجزأ عن عملية الإنتاج التي تأثرت هي كذلك، وهذا ما كلفنا الإعداد مرتين بعد أن عاد فريق العمل إلى السويد، وتم تصوير كل مشاهد الفيلم في كردستان العراق، وكان من المهم أيضاً ضبط الاستمرارية في تصوير المشاهد كان مهماً جداً، حيث يتضمن الفيلم مشاهد ركض سريعة للطفلين وهذا ما تطلب جهداً كبيراً من مدير التصوير في ضبط إيقاع المشهد السريع الذي يعد من أهم عناصر الفيلم الفنية .






رد مع اقتباس