السينما الفلسطينية صور حية من الواقع المر





يستعرض “مهرجان دبي السينمائي الدولي” في دورته الحالية ملاحم عن كفاح الشعب الفلسطيني، وروح الصمود لديه، من خلال 5 أفلام في عروضها العالمية الأولى، لسينمائيين فلسطينيين يحملون صوراً حية من واقع الحياة الفلسطينية . تقارب مأساة ومعاناة الفلسطينيين تحت قبضة الاحتلال، وتفسر كيف قادت تعقيدات الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي، واختلاط السياسي بالثقافي والفني على نحو متشابك، إلى تعقيد المشهد السينمائي الفلسطيني بشكل خاص، حيث أدخل هذا المفهوم السينما الفلسطينية في مأزق التعريفين النظري والعملي بحسب رأي المخرجين المشاركين في المهرجان .

الفيلم الأول بعنوان “غزة تنادي” ويوثق للمخرجة ناهد عواد، معاناة عائلات فلسطينية غير مسموح لها أن تعيش حياة طبيعة، وأن يلتقي أفرداها، في ظل الحصار الاسرائيلي، وقبضة الاحتلال تسعى أن تعتصرهم وتجردهم من أدنى حقوقهم الإنسانية، حيث تبقى المصائر معلقة على المعابر! لا حرية حتى في الحركة، وأوصال الوطن مقطعة، هناك في تلك البقعة العربية المسحوقة إنسانياً يعيش سامر وحكمت في غزة ويعملان في رام الله، وهما مجبران أن يكونا “متسللين” في وطنهما!، أما مصطفى فقد مضى في زيارة إلى غزة ولم يستطع الرجوع، بينما أمه تناضل على مدى سبع سنوات لتراه ولو لمرة واحدة .

أما فيلم “متسللون” سيناريو وتصوير وإخراج خالد جرار، فيضيء على حياة الفلسطينيين وطرقهم وابتكاراتهم في التحايل على جدار الفصل العنصري الجاثم على صدروهم، متتبعاً محاولات أفراد وجماعات البحث عن ثغرة فيه والتسلل من خلالها . مشهد واحد في بداية الفيلم يجسد واقع مرير لهؤلاء، عندما يصرخ سائق التاكسي “الحاجز مغلق” متبعاً ذلك بالقول “عا اللفة عا اللفة”، وهو قول بمثابة الإعلام عن البدء بالرحلة الطويلة وغير المنتهية في التسلل إلى الوطن .

وجوهر الألم الفلسطيني والعربي، مدينة القدس ليست غائبةً عن هذا المشهد السينمائي، بل حاضره في وثيقة خاصة يقدمها المخرج رشيد مشهراوي في جديده “أرض الحكاية”، من خلال المصور الأرمني إيليا، ووالده المصور أيضاً، ومن ثم ابنه، وقد صوّروا جميعهم القدس القديمة داخل وخارج الأسوار، منذ زمن الانتداب البريطاني وإلى يومنا هذا . يقدم المشهراوي في فيلمه هذا شهادة مغايرة عما يروى على لسان البشر، فترك الكاميرا تروي شهادة تنبض بالحياة وتجسد حكايات ثلاثة أجيال، راصداً المتغيرات السياسية والجغرافية والديمغرافية التي رافقت مدينة القدس .

وفي سياق متشابه من صلب المعاناة يأتي فيلم “السلحفاة التي فقدت درعها” للمخرجة الفلسطينية باري القلقيلي والمولودة في برلين، ليوثق القضية الفلسطينية، من مقاربة شخصية لابنة ألمانية وأسئلتها لوالدها الفلسطيني المسكون بالعودة إلى فلسطين، حيث تنتقل بكاميرتها من الأردن إلى مصر ثم إلى فلسطين، لنبش أحلام وحكاية والدها المسكون بمرارة التهجير والشتات والظلم .



وبإخراج مشترك يأتي فيلم “موسم حصاد” وهو لكل من نسيم أمعوش، وسامح زعبي، وميس دروزه، وأريج سحيري، ليتمحور حول مقولة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش “الهوية هي ما نورّث لا ما نرث، ما نخترع لا ما نتذكّر” مقدماً أسئلة المخرجين الأربعة حول الهوية والإرث، وصورة حسّاسة عن العالم العربي، معبّرين عن تساؤلاتهم الشخصية وقلقهم، من أربعة أمكنة مختلفة .

وبالرغم من الحراك السينمائي الفلسطيني المتمثل في زيادة عدد المخرجين الفلسطينيين، ووجود أفلامهم في العديد من المهرجانات العربية والعالمية والتي حصد بعضها على جوائز، لا يرى المخرج الفلسطيني خالد الجرار، بأن هناك صناعة سينمائية فلسطينية، وإنما هي محالات لا تخرج عن قالب التجربة، ومعظم الأفلام المنتجة فيها ضعف وخلل، بسبب عوائق الاحتلال والواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي يقف في وجه صناع السينما، الأمر الجميل بالنسبة لي ان التجربة السينمائية الفلسطينية تترسخ بطريقة، كمن يمشي على طريق شائك ويتحمل الألم طويلاً، من أجل الشعور بذروة السعادة في موسم الحصاد، وهذا ما نمر به كمخرجين فلسطينيين . وحول القصة المكررة في الفيلم الفلسطيني، يقول الجرار: ليس صحيحاً أن تبقى أفلامنا محصورة بالمعاناة من الاحتلال والهجرة والهوية . . إلخ، فتلك الأسباب ليست العائق الوحيد أمام الشعب الفلسطيني، لأنه هناك معوقات يومية وحياتية ومادية ونفسية، أشد وطأة على الفرد الفلسطيني . وأنا كمخرج تعلمت ألا أكون سينمائياً فلسطينياً، فأنا أرفض ذلك، وإنما أعمل لأكون سينمائياً عربياً أو عالمياً .

بينما المخرجة ناهد عواد تقول: للوصول إلى الحديث عن صناعة سينما فلسطينية، نحتاج لتوحيد الجهود من خلال جميعة أو مؤسسة تلم شمل السينمائيين الفلسطينيين، وكذلك لدور وزارة الثقافة الفلسطينية لانشاء صندوق دعم للسينمائيين الشباب على غرار التجارب العربية التي دفعت بالفيلم العربي إلى المقدمة، وأسهمت في ولادة أفلام روائية طويلة .

اكتشاف فلسطين من خلال الصورة هو حلم تبحث عنه المخرجة باري القلقيلي، فهي لا تعرف شيئاً عنه سوى قصص الهجرة والشتات وحلم العودة، الذي عاشته مع والدها وعلاقته الصامتة مع أمها ألمانية، وتقول: إحدى هذه الانعكاسات هي أنني لا أعرف حتى الآن أن أصنف نفسي هل أنا مخرجة فلسطينية أم ألمانية، سأعمل على الرواية الفلسطينية حتى اقتل هذه الآلام في داخلي .

يصف مخرج فيلم “أرض الحكاية” رشيد مشهراوي: الأفلام الفلسطينية بأنها أفلام تروي بأسلوبية عالية قصص الواقع ومن زوايا جديدة على الطرح، وبالتالي ترصد الثابت والمتغير، ما يضعنا أمام الصراع الأعمق الحاصل في منطقتنا، عبر الأناس الحقيقيين لهذا الصراع والمتأثرين المباشرين بنتائجه، وخليط هذه الأفلام المتواجدة في المهرجان هي بمثابة نافذة روائية ومرآة سينمائية على فلسطين، وهي نافذة لا تكتفي بالماضي والحاضر فقط، بل ترسم صورياً ملامح مستقبل العالم العربي واقعياً وفنياً .