إلى أين يا طائر العنقاء؟
يوسف أبو لوز
* دار الخليج
من أعمدة الرومان القديمة في جرش وأحراشها العميقة الاخضرار إلى بيروت .
من مخيم اليرموك إلى بيروت .
من رأس الكرمل إلى بيروت . كأن هذه المدينة هي المرفأ الأخير لرحلة عوليس الذي يبحث عن “إيثاكه” في الشعر كما يبحث عنها في الماء .
إلى أين هذه المرة يا طائر العنقاء الكنعاني . تحترق وتخرج من رمادك، تحترق وتحترق وتخرج من الرماد، ولكن إلى متى؟ . . وإلى أين؟
إلى متى؟ ربما إلى الكثير من السنوات . سنوات الرماد، ولكن إلى أين؟ . . هذا هو السؤال المرير، ذلك أن الزمن أكثر رحمة من الجغرافيا، قد يتمدد الزمن، وقد يتقلص، ولكن الجغرافيا من طبعها أن تضيق حتى تصبح مثل خرم الإبرة .
إلى أين هذه المرة يا طائر العنقاء؟
ها أنت تطير من دمشق إلى بيروت، وقبل ذلك مددت جناحيك من جنوب المتوسط إلى شماله . طائر إلى الأبد . في الريح وفي الضباب وفي السراب . من مجهول إلى مجهول، ومن غموض إلى غموض، ما أكثر حلك وما أكثر ترحالك، خلف نشيد طويل من الحنين والذكريات . خلفك حقل من الدم والدموع .
إلى أين هذه المرة يا من تحمل صخرة سيزيف منذ أكثر من ستين عاماً؟
ستخرج من الجغرافيا، ولكنك لم تخرج من التاريخ . ستخرج من جلدك، ولكنك لم تخرج من روحك . أنت أيها الخارج دائماً من الرماد إلى الرماد . الخارج من اليابسة إلى البحر في مراكب يقودها بحارة يتقنون الغناء وهم يتخذون من أصابعهم حزمة من النايات .
“الكمنجات تبكي على الأندلس” . وأنت يبكي عليك الناي . يبكي قمر أيلول، وتبكي شمس تموز . تسقط دموع الأشجار كأنها كريستال يتدحرج على وجه التراب .
إلى أين؟
ليس لديك عراف لكي تسأله . وليست لديك بوصلة تتبع إبرتها . ليس لديك بطل تعتبره ضميراً، الشهداء تخلوا عنك لأنك تخليت عنهم . الأمهات ما عدن ينثرن الأرز على قبعات الرجال السائرين تحت الشمس . القصائد الغنائية الخفيفة كخفة رائحة البرتقال ما عادت تكتب بماء العيون . الشعر لم يعد يعرفك .
غريب أنت ثلاث مرات . مرّة عندما خرجت من بلادك، ومرّة عندما خرجت من شتاتك، ومرّة عندما خرجت من شتاتك .
إلى أين . . أيها المسافر الأبدي في المجهول؟
المسافر إلى اللانهاية . .
المسافر الذي يحمل متاعه ودموعه على رأسه وعلى ظهره حتى احدودب هذا الظهر وأصبح كالهلال . . هلال كلما احدودب . . انحنى على التراب المبلل بالدموع .





رد مع اقتباس