النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: علي أبو الريش طفل جلفار المُتعب

العرض المتطور

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    علي أبو الريش طفل جلفار المُتعب

    علي أبو الريش طفل جلفار المُتعب





    في اليوم الأول له في المدرسة المبنية من طين الأرض ونخيلها، عرف الروائي علي أبو الريش أن ست سنوات مضت من عمره سريعاً لم يكد يحسب أيامها على أصابع يديه، ففي المعيريض في رأس الخيمة تعمل اليدان لإحضار لقمة العيش لا لحساب أيام العمر الراكضة .

    اصطف علي مع الأطفال الذين يتفاوتون في الطول ويشتركون في البنية الضئيلة، ليعرف بأي الأعوام قد ولد، جاء طبيب الحي، شق فمه وتفحص أسنانه، حينها خطّ تاريخ ميلاده الذي لم يفارقه منذ حينها، وظل كلما سأله أحدهم عنه تذكر طفولة صقلتها سياط شمس تتقد وموج يترفق بخشب السفن .

    العام 1956 هو تاريخ الميلاد الذي التصق بعلي منذ ذاك النهار اللاهب، مضت سنون عمره مسرعة لم يكد يحسب منها ما مر، وما بين بر وبحر كانت شخصيته تصقل كأن البحر أبوه والبر أمه .

    منذ الصباح الباكر حيث العصافير تستحث الشمس وتغريها لتخرج كسولة من وراء الجبال، كان علي يتابع نساء الحي المحملات بدلاء الماء على رؤوسهن، والحُمر المنهكة تسير خلفهن وقد رُصُ الحطب على جانبيها، تتمايل كسلى لتصنع مع النساء مشهداً لم يغب عن ذاكرة أبو الريش .

    يخرج علي إلى والده حيث يركب البحر ب “عبّارة” ينقل على متنها المرتحلين والتجار الذين يتقايضون الخضار بالأرز والسمك، هناك يشد حبالاً مجدولة تقسو بخشونتها على يدي طفلٍ لم يتجاوز الثانية عشرة من العمر، إلا أن جلفار لا مكان فيها للرهافة والدلال، “هنا لقمة العيش أصعب مما ينبغي” .

    في المساء، لم يكن البحر قادراً على إنهاكه وحسب، بل كان يرديه كالقتيل لينام دونما حراك، إلا أن يومه المُنهك لم يمنعه من القراءة وشحذ ذهنٍ يشع بالتفاصيل وتسجيل اليوميات، فكان الكتاب “الدوّار” الذي ينتقل من صبيٍ لآخر هو سبيله، وما أن يصل إليه متآكل الأطراف بالي الورق، حتى ينكب عليه لينهيه في أيام قليلة، ويكمل الكتاب دورته في الحي .

    الكتاب الذي كان يوقظ في علي روح الفتى الناضج، لم يمنعه في اليوم التالي من الجري مع الصبية لاستقبال الصيادين المحملين بالأسماك، حيث يتحلق الصبية يطلبون ما فاض من صيد المساء، ليعود علي بذلك لبراءة لم يمحها تعب العيش وضنكه .

    سنوات العمر تمر سريعاً ينهي فيها علي المدرسة الابتدائية في مدرسة المعيريض المشتركة التي تحولت هذه الأيام إلى مصلى، ويكمل المرحلة الثانوية في مدرسة الصّديق في رأس الخيمة القديمة، لتشرع الأبواب أمامه، حيث يسافر إلى مصر ويلتحق بجامعة عين شمس في العام 1974 لدراسة علم النفس .

    يخرج علي بذلك إلى مساحة جديدة يختبرها للمرة الأولى، يعيشها مشغولاً بالشؤون الثقافية في اتحادات الطلبة، كأنه يواصل ما كان يعمله خلال أيام تعليميه المدرسي في رأس الخيمة .

    خلال تلك المرحلة يبدأ بالكتابة الجادة التي يجمع فيها كل صفحة ينهيها، وورقة تلو أخرى تتبدى شخصيات، ويجري حدث يحيك حكاية تتوقف عند منتصفها حتى انتهاء سنوات الدراسة الجامعية الأربعة .

    في العام 1978 يعود إلى وطنه محملاً بشهادة البكالوريس في علم النفس، لكن باله مشغول في السرد والمفردات، فما أن يأخذ نفساً ويرتاح في الإمارات حتى يتوجه إلى رئيس تحرير صحيفة الاتحاد في ذاك الوقت خالد محمد أحمد، ويطرق بابه عارضاً العمل لديه في الصحيفة، فتأتيه الإجابة “اذهب إلى الأقسام واختر منها ما يناسبك، فأنت منذ اليوم صحفي لدينا” . يختار أبو الريش القسم السياسي ليتمرس على العمل الصحفي اليومي لينتقل في العام 1982 إلى القسم الثقافي، في تلك الفترة، كانت الحكاية التي بدأها في مصر تحيا من جديد في ذهنه وتتابع الأحداث سيرها، ليستفيق عام 1982م على أول رواية تصدر له وهي “الاعتراف” .

    في العام 1990 دخل أبو الريش إلى “ديسك التحرير”، وتسلسل في المرتبة الوظيفية من نائب لمدير التحرير التفيذي إلى مدير تحرير للصحيفة، ليكمل بذلك ثلاثة عقود من العمل الصحافي ويخرج منه عام 2010 حيث انتقل إلى هيئة أبو ظبي للثقافة التي يعمل فيها حتى اليوم .

    منذ “الاعتراف” التي دارت أحداثها في رأس الخيمة، تواصل اشتغال أبو الريش على مشروعه الروائي، فأصدر حتى اليوم أربع عشرة رواية، منها: السيف والزهرة، ورماد الدم، ونافذة الجنون، وتل الصنم، وثنائية مجبل بن شهوان، وسلائم، وثنائية الروح والحجر، وغيرها العديد من الروايات .

    رأس الخيمة ظلت هاجس أبو الريش في معظم رواياته، فكل الحكايات والمشهديات التي صنعت ذاكرته، صارت منجماً يخرج منه أبو الريش بمئات من الصور والأحداث، فصار “الخرف” و”شريط النخل”، و”بيت الطين ونخلته” مادة روايته وروحها، والخرف هو جلب التمر المتساقط عند ساق النخل من فرط النضوج، فكان شباب الحي “يخرفون” كأنهم ينتظرون الخير من أمهم النخلة .

    من تلك المشهديات خرج أبو الريش في مسيرته الروائية بنصوص نثرية شعرية عنونها ب “جلفار عطش النخيل”، ومنها كانت روايته الأخيرة الصادرة هذا العام بعنوان “أم الدويس” .

  2. #2
    عضو فعال الصورة الرمزية إمہ.ـآرآتي جہ.ـنآن
    تاريخ التسجيل
    26 - 4 - 2013
    الدولة
    الامارات
    المشاركات
    451
    معدل تقييم المستوى
    51

    رد: علي أبو الريش طفل جلفار المُتعب

    يسلموو
    يعطيك العافية

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •