بقلم :ميساء راشد غدير
![]()
من القضايا التي يعرفها كثيرون في مجتمع الإمارات بمرارة، مشكلة زيادة أعداد المدمنين على المخدرات ودور هذا الإدمان في ضياع مستقبل كثيرين، لاسيما بعد أن يتم سجن الواحد منهم، فيفقد بعدها وظيفته وثقة أسرته ومجتمعه، ويبحث بعدها من جديد عن قاعدة ينطلق منها لإعادة بناء مستقبله الذي فقده.
ولو كان المدمن هو وحده من يعاني لهانت المسألة، لكن المعاناة تمتد إلى أسرته بدءاً من والديه وإخوته إلى زوجته وأبنائه إن كان متزوجاً، وعلاوة على هذه المعاناة النفسية، يعيش الجميع معاناة أخرى تتمثل في الجانب الاجتماعي والمادي إن كان هو المسؤول عنها في أسرته، الأمر الذي يجعل المعاناة تمتد أيضاً إلى مؤسسات حكومية وخيرية، تسعى لرفع المعاناة عن كل هؤلاء، لأن المدمن لم يحسب أن ما أقدم عليه سيكون عاقبة وعقاباً له ولمن حوله.
ورغم الإدراك العام لمخاطر الإدمان (آفة العصر)، ورغم الإلمام الكبير بحجم المعاناة الناجمة عن فقدان المجتمع أفراداً كان من الأجدى الاعتماد عليهم، إلا أن بعض الدول مازالت تتعامل قانونياً مع المدمن على انه مذنب ويستحق السجن. وحكم السجن في اغلب الأحيان يفقد المدمن وضعه الإنساني والاجتماعي، حيث يخسر وظيفته فيجد نفسه عالة على أسرته ومجتمعه، حتى بعد علاجه الطويل وتوبته.
هذا الوضع لا يختلف كثيراً عما يعانيه مدمن المخدرات في دولة الإمارات، فحاله كحال من يروج لهذه السموم أومن يهربها، مع فارق في سنوات الحكم وبعض التفاصيل الأخرى. فالمدمن الذي يقبض عليه وتثبت التحاليل إدمانه يحكم عليه في الغالب بأربع سنوات، مهما كان نوع المخدر ودرجة الإدمان التي وصل إليها.
وقد طالبت فعاليات كثيرة في المجتمع بإعادة النظر في العقوبات التي تطبق على المدمن، باعتباره مريضاً بحاجة للعلاج، وبحاجة لمن يأخذ بيده بعيداً عن هذه المتاهة التي يجد نفسه فيها، لكن الأمور لم تتغير، فمازالت القوانين على الحال التي كانت عليها، وهو الأمر الذي يبقى محل استغراب كثيرين ينظرون إلى دولة الإمارات بنظرة مختلفة تجعلهم يعتقدون أن المدمن في خير يتفوق به على غيره من أمثاله في دول أخرى.
الإمارات بلا شك تعنى بالإنسان قبل كل شيء وأكثر من أي شيء أيضاً، وهي كدولة سعت من خلال مؤسساتها الأمنية والطبية والاجتماعية والتأهيلية وحتى العقابية إلى مكافحة الإدمان والحد من أعداد المدمنين، بل وأنفقت وما زالت تنفق ملايين الدراهم على علاج العديد منهم حتى تماثلوا للشفاء، لكن تلك الجهود الكبيرة والعظيمة، التي تؤكد حرص الدولة على مكافحة هذه الآفة والنأي بأبنائها عنها، مازالت تحتاج إلى نظرة قانونية مغايرة تعتمد على إخضاع المدمن للعلاج، ثم إطلاق سراحه لكي لا يفقد وظيفته ومكانته الاجتماعية بسبب السجن.
هذا الوضع وما أسفر عنه من تداعيات سلبية، يدفع المجتمع ثمنها قبل المدمن، ويتمثل هذا الثمن في تفشي الأمراض المعدية، وارتكاب الجرائم بأيدي مدمنين، ومشكلات أخرى متنوعة، يحتم إحداث تغيير في القوانين السارية بما يتوافق مع التطورات العالمية، فطبيعة مجتمع الإمارات لابد وأن تكون سبباً في تصحيح النظرة القانونية إلى المدمن بهدف تأهيله حتى يعود إنساناً نافعاً لوطنه وأسرته!





رد مع اقتباس
