ظبية خميس شمس الكتابة
ولدت الشاعرة ظبية خميس المهيري في إمارة دبي في عام “الطهف”، ولهذا العام حكاية أسطورية، ربما منها جاءت الطفلة ممسوسة بجن الشعر، ففي عز صيف دبي، والشوارع تخلو حتى من القطط الجوالة لشدة الحرارة، بدأت حكاية عام الطهف، إذ في السابع عشر من أغسطس/ آب من عام 1958 هطل مطر غزير قلب مزاج الصيف القائظ لشتاء ماطر، في قلب هذا المطر كانت ولادة المهيري .
بهذا النهار الاستثنائي جاءت الطفلة ظبية في جميرا دبي، في بيت خالة والدها عوشة بنت خليفة المر، وكأن المطر ينبئ أهلها، بأنه “ولدت لكم شاعرة وستعرفون صحة نبوءتي بعد عقدين ونصف من الزمن” .
انتقلت ظبية من دبي إلى الدوحة لتعيش هناك طفولتها الأولى، وتتهجى الكون من حولها، فترى الصحراء الشاسعة، والصيادين المحملين بسلال السمك وقد تركوا البحر يزأر خلفهم، ثم انتقلت لتكتمل طفولتها في أبوظبي في حي الشيخ زايد وظلت في الإمارات حتى سن السادسة عشرة، لتكمل أسفارها في الدراسة والعمل . عاشت على مشهديات عديدة صنعت ذاكرة ما زالت إلى اليوم تعود إليها لتشحن قصيدتها بصورة سيف جدها سعيد بن مطر بن مزينة، وقراقير الصيد المترعة بالسمك، ومشهد السوق الناغل بالباعة والتّجار .
كان خروجها من البيت يعلّمها الحياة، فيفتنها البحر ويمتد نظرها في أفق تصنعه الشمس الآيلة للغياب والرمال المتوهجة، وكان دخولها إلى البيت حياة أخرى جديدة، ففي البيت مكتبة ضخمة فيها أمهات الكتب التي اقتناها جدها ووالدها الشاعر الرحّال .
في البيت الريفي الذي يتجاور مع بيوت أبوظبي القليلة في ذاك الزمن، كانت ترقب شغف والدها بالصقور، وترى البواشق تحط على يده المحمية بغطاء جلدي سميك، تعود إليه الطيور بعدما يطلقها لتعاونه في الصيد، فهو لم يكن قناص المفردة وحسب، بل قناص الطيور والحيوانات البرية .
من صقر أبيها المدلل، والطيور التي عاشت حكايتها في قصص “المكتبة الخضراء” الملونة، تعلمت ظبية ببراءة طفولتها أن بوسعها الطيران، فراحت تقلد الطيور وتقفز عن الأماكن المرتفعة، حتى كادت أن تعرض نفسها للخطر، ولم يأخذها خيالها لذلك وحسب، بل كانت تبحث عن المدينة المصنوعة من ألواح الشوكولاتة، فتعلمها للقراءة باكراً جعلها أمام خيال لا حدود له .
بكل تلك التفصيلات والذاكرة المشاغبة نشأت ظبية، وأنهت دراستها الابتدائية والثانوية من مدرسة أم عمار الثانوية لتحصل على المرتبة الثانية على مستوى الدولة في امتحانات الثانوية عام 1975 .
لعبت أم ظبية موزة بنت سعيد بن مزينة دوراً مهماً في شحذ موهبتها الشعرية، فعلمتها القراءة باكراً وظلت تدفع لها بالكتب وترشدها من كتاب إلى آخر .
بعد سنين شعرية من نهارها حتى ليلها، كتبت ظبية وهي ابنة اثني عشر عاماً أول قصيدة لها جاءت بعنوان “الربان” وكانت عن جدها الذي نشأت على رائحة قهوته وسيفه المعلق على جدار البيت، ونُشرت القصيدة في جريدة كانت تصدر في أبوظبى اسمها الوثبة، ومن ثم بدأت القصائد تتوالى وتأخذ طريقها للنشر .
السنوات تمر سريعاً، والطفلة تصبح فتاة ناضجة أكملت دراستها الثانوية بتفوق، لتختار منذ اليوم التخصص الجامعي الذي ستعمل فيه بقية سني عمرها، فاختارت دراسة السياسة الدولية والأدب العربي في الوقت نفسه، وكان اختيارها السياسة نابعاً من تأثير المرحلة والبيت الذي عاشت فيه، فهي ابنة مرحلة السبعينات التي كان فيها المشروع القومي والوحدة العربية حلم الوطن العربي، وخصوصاً الأجيال الشابة الطامحة للتغيير .
التحقت ظبية خميس بجامعة إنديانا في الولايات المتحدة الأمريكية، لتمضي سنوات دراسية خمساً في أمريكيا، تعرفت فيها إلى القصيدة الأمريكية الحداثية، فكان والت ويتمان هو الأقرب إليها وكذلك د .ه لورنس، وانفتحت بذلك على نوافذ من الفلسفة اليونانية وعاشت تأثير الوجودية في تلك المرحلة، وما تركته من أثر في الأجناس الأدبية كافة، فكانت سنوات إنديانا من السنين الأكثر خصوبة في حياتها، ففيها تعرفت إلى نفسها والحياة والكون معاً، وظلت على صلة وثيقة بالنص خلالها، فكتبت روايتها الأولى “الحياة كما هي” . بعد أن أنهت البكالوريوس من إنديانا عام 1980 واصلت الدراسات العليا في جامعة لندن وبعدها في الجامعة الأمريكية في القاهرة حتى عام ،1996 ثم انتقلت للاستقرار في مصر عام 1989 .
إلى جانب الدراسة كانت ظبية خميس تمارس الكتابة وتصدر دواوينها، وتتنقل في عدد من الوظائف والمناصب، فمع صدور أول ديوان لها عام 1981 “خطوة فوق الأرض” كانت تنهي آخر أيام عملها كنائب مدير إدارة التخطيط في أبوظبي .
انتقلت بعد ذلك لتعمل مشرفة على البرامج الثقافية في تلفزيون دبي ما بين عامي 85-،1987 ثم دبلوماسية باحثة في جامعة الدول العربية عام ،1992 ومؤخراً وزيراً مفوضاً وسفيرة في الهند حتى عام 2010 .
لم تكن السياسة تشغل ظبية عن النص، فمارست في الوقت نفسه العمل الصحفي في مجلات الأزمنة العربية، وأوراق، والمجلة، وجريدة الوطن، وأصدرت مؤخراً روايتها التي كتبتها في أنديانا “الحياة كما هي” صدرت عن دار الآداب في ،2011 وحجر الطريق ديوان صدر عن دار نفرو ،2012 وكتاب منفى جامعة الدول العربية يصدر عن دار رياض الريس في ،2013 وتتحضر هذه الأيام لإصدار “تهيئة الملكوت ضد القانون” وكتاب “ميدان الحرية” .






رد مع اقتباس
