اغتيال براءة طفل في الثالثة بين المدرسة والبيت
البيان
طفل يعيش بين والديه ويحيطانه بكل الحب والرعاية، اذ كانت الفرحة كبيرة عندما بلغ الثالثة من العمر وحان موعد المدرسة، وبعد بحث طويل وقع الاختيار على مدرسة ذات سمعة طيبة، وفي يوم الدراسة الأول، ارتدى الطفل ثيابه وتركه أبواه سعيدين ومرتجفي القلب في نفس اللحظة، فهذه أول مرة يبتعد فيها عن أعينهما، ولكنهما قاما بما توجب عليهما فعله فأغمضا أعينهما قبل أن يلتفتا مبتعدين عنه بينما صوت بكائه يعصر قلبيهما بالألم.
أيام قليلة مضت قبل أن يعتاد على الحياة المدرسية، وأصبح بعدها يغادرهما سعيداً وما أن يرى حافلة مدرسته تقف أمام المنزل حتى يأخذ حقيبته ويسابق والدته نحوها مستعجلاً الذهاب، ورغم أنه كان أول من يركب الحافلة وأخر من ينزل منها إلا أنه كان يدخل حافلته سعيداً ويحيي سائقها ثم يجلس في مكانه ملوحاً لأمه. ولكن الأمر لم يبق كما هو.
وبعد فترة قصيرة أصبح الذهاب إلى المدرسة ثقيلاً عليه، وكلما شاهد حافلته المدرسية أطلت من عينيه نظرت رعب ووقف راجياً والدته أن لا تدعه يذهب، فكانت تضاحكه وتقنعه بالكلمات الجميلة حيناً وتأمره بحزم أحياناً وفي كل المرات كان عليه أن يركب حافلته وفي عينيه دمعة، فهذا التغير في علاقته بمدرسته لم يلفت نظر والديه واعتبراه نوعا من الدلال والنزوع إلى الراحة والنوم.
وفي أحد الأيام وبينما كان والده عائداً من عمله، لم يتحرك ليقابله ويلاعبه كعادته، بل نظر إليه بحزن دون أن يغادر مقعده، فاقترب منه والده وسأله عما يحزنه، فأشار إلى جزء من جسمه وقال إنه يشعر بألم شديد فيه، فاستغرب والده وسأله عن سبب الألم، فأجاب أن سائق الحافلة يضع فيه شيئا لا يعرفه كل يوم عند توصيله من وإلى المدرسة وأن هذا يسبب له ألما شديدا، ولكن السائق قال له ان لايخبر أحدا بذلك وإلا فإنه سيقتله.
شعر الأب وكأن الدنيا أصبحت أكثر ضيقاً من أن تتسع للهيب الغضب داخله، فهو عاجز عن حماية صغيره الذي كان يتعرض للاغتصاب يومياً دون حتى أن يعي معنى مايتعرض له، فحمل ولده واتجه إلى الشرطة، وقدم بلاغاً ضد السائق الذي قبض عليه فوراً، وبالفحص الطبي تبين صحة ادعاء الطفل، واعترف السائق أولاً أمام الشرطة بما قام به، ثم سحب اعترافه أمام المحكمة الابتدائية التي حكمت عليه بالحبس سنتين والابعاد عن الدولة بعد تنفيذ الحكم، وفي محكمة الاستئناف تم تشديد العقوبة على السائق لتصبح السجن عشر سنوات، ثم أصبح الحكم نهائياً.
جهات اخرى
الأب شعر أن ذلك لايكفي، فهناك جهات متورطة بهذا الحادث ولم تتم معاقبتها، أهمها المدرسة التي استأمنها على ولده ولم تحفظ الأمانة، فكيف يمكن أن يتم ترك الأطفال في الحافلة لوحدهم دون أن تقوم المدرسة بتكليف مشرفة أو مشرف للعناية بالأطفال، فأقام دعوى أمام المحكمة المدنية للمطالبة بإلزام المدرسة بأن تؤدي له مليون درهم تعويضا عن الأضرار التي أصابت ولده.
وفي المحكمة دفعت المدرسة بعدم مسؤوليتها، وأن السائق لايعمل لديها بل لدى شركة النقليات التي تتعاقد معها على توفير حافلات وسائقين لتوصيل طلابها، وطلبت ادخال شركة النقليات كطرف في القضية، باعتبارها هي الجهة المسئولة عن اختيار السائقين والاشراف على عملهم.
وأضافت أن والد الطفل هو الذي اتفق مع السائق على توصيل ابنه منفرداً. ولكن المحكمة التي وافقت على ادخال شركة النقليات كخصم في القضية، أكدت أيضاً ان ذلك لايعفي المدرسة من مسئوليتها عن سلامة الأطفال في الحافلة، موضحة أن والد الطفل تعاقد مع المدرسة على توصيل ابنه من وإلى المدرسة وهو غير معني إذ ماكانت المدرسة تمتلك الحافلة أو تؤجرها.
كما أنه لايوجد دليل على أن والد الطفل هو من طلب من السائق توصيل الطفل منفرداً، وحتى وإن كان ذلك صحيحاً فإنه لايحمل المسئولية عن الضرر الذي أصاب ابنه، بل كان على المدرسة والشركة أن تراقب عمل السائق وسلوكه أو توفر آلية لذلك، ولهذا وجدت المحكمة أن كلا من المدرسة وشركة النقليات مسئولتين عن الضرر الذي وقع للطفل، وحكمت بإلزامهما بتأدية 200 ألف درهم كتعويض عن الأضرار المعنوية التي أصابت الطفل ووالديه بالإضافة إلى الأضرار المادية التي تمثلت بتكاليف ابلاغ الشرطة ومتابعة التقاضي الجنائي والمدني والوقت الذي تم هدره في ذلك.
(ضمن التعاون القائم بين صحيفة البيان ودائرة القضاء في أبو ظبي، تنشر الصحيفة صباح كل احد، قصصا من اروقة القضاء بهدف نشر التوعية بين الناس).
حكم
لم يلاق الحكم القبول لدى المدرسة المحكوم عليها فطعنت به أمام محكمة الاستئناف التي أيدت الحكم الابتدائي مؤكدة على مسئولية المدرسة عن حماية الأطفال المستأمنة عليهم حتى خلال وجودهم في الحافلة أثناء رحلتهم من وإلى المدرسة.







رد مع اقتباس



