كردي بقلب عربي
يوسف أبو لوز
* دار الخليج
يحاور الكاتب الكردي سامي داوود مواطنه الشاعر الكبير حقاً شيركو بيكه س، فيسأله: ألا ينهكك هذا الشغف اليومي بالشعر؟ فيجيب شيركو: “ . . لا أبداً لا إنهاك ولا ملل ولا توقف، وذلك لأنني عاشق للقراءة ولمتابعة النصوص الجديدة، وثانياً لأنني مجنون بكتابة الشعر، فأنا أسافر يومياً داخل اللغة . .” .
من يتأمل هذه الإجابة من شاعر في حجم شيركو بيكه س، يعجب من بساطته وتلقائيته في تبسيط الرد على سؤال هو الآخر منهك، فكتابة الشعر حتى لو كانت سفراً يومياً في اللغة، فإنها تنطوي حقاً على شيء من الإنهاك، لكن شيركو صاحب ديوان “الكرسي”، هذا الرجل الذي يتنفس الشعر كما يتنفّس عبق الهواء الوردي في عيد النيروز الكردي . . لا يمكن أن يشعر بالإنهاك من الشعر، ثم لكل امرئ من اسمه نصيب فاسمه شيركو بيكه س يعني في اللغة الكردية “الأسد الوحيد”، ويبدو هذا المعنى سبباً آخر لعدم الإنهاك، غير أن هذا الكردي، الذي لم يبق له إلا الريح، كما في إحدى قصائد محمود درويش يكتب الشعر ويحب الحياة، هذا الأسد الوحيد خرج أصلاً من غابة الدم، بل هو لم يدخلها أصلاً وليس في قلبه شهوة الفتك والافتراس والقتل، فالشاعر لا يقتل فراشة، وأقصى ما يمتلكه من عنف هو ذلك العنف الذي يوجهه باللغة صوب القبح والقتل والجريمة .
يقول شيركو بيكه في حوار منشور معه في الخليج الثقافي في عام ،2009 “ . .كرسي الشعر أكبر من كرسي الوزارة” في إشارة إلى استقالته فوراً من وزارة الثقافة، وهكذا يبدو كرسي شيركو مصنوعاً من اللغة، واللغة التي يجري في نسيجها دم الشاعر لا يمكن أن تموت، ويمكن لكراسي السلطة السياسية أن تتآكل وتزول، ولكن الشعر هو عنوان البقاء، إنه الأقوى ولكن بلا حيوانية وافتراسية وبلا أسلحة سوى سلاح اللغة .
شيركو بيكه س من أبرز شعراء الكرد وأكثرهم انتشاراً، فقد ترجمت أشعاره إلى أكثر من عشر لغات عالمية حية، ولكنه، ورغم هذه الشهرة العالمية التي يستغلها بعض الشعراء ليغيروا جلودهم كالحرباوات، إلا أن كردية “بيكه” لم تنتزعه من هويته العربية، فهو يعد العربية هويته الثانية، ولا تنازع هويته الكردية .
يقول “لا تحزني أيتها الفراشة لعمرك القصير، لأنك وفي الغمضة تلك منحت طولاً لعمر الشعر . .” .
وأنت أيضاً منحت طولاً لعمر الشعر، أيها الأسد الوحيد .





رد مع اقتباس
