ليلى السايح: أتوحّد كي أحبك





ليلى السايح، اسمٌ قد يبدو بعيداً الآن، نائياً كما هي نجمة في نهرِ المجرة، تومضُ أحياناً أو تغيب، ولكنه الاسمُ الأجمل حضوراً حين نتذكر كتابَ “دفاتر المطر” ،1979 أو كتاب “طقوس البراءة” 1989 . . وأخيراً “عودة البنفسجة” 1990 . جمالٌ باذخ يتجاوز هذا الشكل وذاك، تحسبهُ مستقراً في الشعر أحياناً، وفي الحكاية أحياناً . تكتشفه في الكلمات وما وراءها، أو يكتشفك مأخوذاً بما لم يولد بعد، تنتظر وتصغي .

أتذكرُ هذه الشاعرة الفلسطينية في صورةِ امرأةٍ جميلة على صفحاتِ مجلة بيروتية تتحدث عن قصصها، وقد حوّل مصممُ الصفحات أطرافَ شعرها إلى موجة تمتد وتعبث بها الريح . كان ذلك في البدايات، ومع كتاب “قصصي أنا” المتهيب والمتردد 1972 . لم أتوقف عند هذه القصص طويلا، وشغلتني الصورة الأغنى تعبيراً، والأكثر رقة من نسيم عابر، شغلتني الشاعرة التي سأتعرف إليها في ما بعد . شاعرة خارج كل وزن وقافية ونظم مما هو معتاد حين يُذكر جسد الشعر، تخطو متألقة وحولها نثارٌ من كلمات هامسة تقول لي ببساطة أخاذة:

سنرسمُ وطناً بشواطئَ ومدنٍ وأريافٍ

على الورقْ

ونسافر كل يومٍ

مشدودين لأحلامنا

هذه الرقة هي التي يحسبها كل قارئ خطاباً يتوجه إليه، وأحسبها كلما تصفحتُ كتاباً حراً خالياً من أي هدف سوى البوح . لا أتخيلُ أنني المقصود، بل أمثلُ بكامل وجودي كما لم أمثل في حضرة أي نص آخر، وكأنني وادٍ يرجّع الصدى، أو كأنني مبحرٌ متوحدٌ يسمع أغنية تأتيه من جزيرة نائية فيدرك أنه المقصود .

هذه حالة نختبرها، كقراء، حين نأتي نصاً ذا خصوصية، يشير إلينا، يخاطبنا، وصاحبته أو صاحبه يتملكهما شعورٌ دافئ بالمرئياتِ ينتقل إلينا أو ننتقل إليه . والمرئياتُ ليست كل الصورة، فهناك كلماتٌ تتوالى شجية أو عنيفة، تعلو وتستقر كما الجسد في تحولاته بين البهجة والكآبة، وهناك أماكن وأزمنة تتوالى مضاءة ببرق تارة وبلمسةِ شمس خافتة تارة أخرى:

في المرة القادمة

سأحاولُ الصمتَ

سأحلم أن البابَ الأخير يضمّ وراءه

بداية الأسطورة

وعميقاً في الظلماتِ سأسلمُ نفسي لخفق الأجنحة

وأصواتِ الشاطئ والفضاء البعيد

لا تفسيرَ بالطبع، ولن يجد القارئُ نفسه منساقاً إلى التفسير، هذا هو ما تعلّمنا إياه أصولُ تلقي الشعرية حين تكون رؤيا وحكاية، أو موقفاً يتخطى فيه الشاعر منطقاً مألوفاً، ويعبر نحو نهاياتٍ مفتوحة .

أتذكر أيضاً هذا العشق الذي يوحّد بين النقائض، هذا الحلم الأبدي باتحاد السماء والأرض، بتحويل الغابة إلى أعماق تجتاحها رغبة أن يخترقها سهمٌ قاسٍ من مطر، باستسلام الوادي الرمزي للبرق والصواعق . وأتذكر حلمَ أن تتفتح الوردة ذات يوم على شاطئ بعيد، وأن تتوارى عاشقة بين الأشجار غزالة يلاحقها الوعل المحبوب قبل أن يأخذها بين الأعشاب، وحيدين إلا من أسطورة وسماء وفضاء .

* * *

لم تكن ليلى السايح في أفضل كتاباتها تخاطبُ آخر، وإن بدتْ كذلك، بل كانت تقول ذاتها، ومرة بعد مرة شاهدت نفسها خارج/ داخل ذاتها، كأن تسأل: ماذا نقول لهذه الشجرة العارية والوحيدة؟ ماذا نقول للشجرة الواقفة أبداً تحت غيوم بيضاء، وبضعة نجوم على أبواب المتاهة؟، ثم تجيب بنغمة أعلى، صاعدة من ذلك القرار، قرار الوحدة والعري: قل للعزلة أن تحكم أسلحتها ضد الانتهاك، أن تحنو على تراثنا من الشموس ولثغات الطفولة .

لم يكن هذا الجواب الشبيه بدرجة من درجات سلم موسيقي خروجاً من الذات الأثيرة، الذات المحتفى بها، بل تردداً في الدائرة النغمية ذاتها بين أنا وأنت، أو بين ماض وحاضر، بين ظل وجسد .

موسيقا هذا النثر هي التي تجعله يتباعد عن كلامنا المألوف، ويقترب مع ذلك من كل واحد منا، فنقول كأننا وضعنا يدنا على خفقة من خفقات قلوبنا الضائعة، هذا هو ما نشعر به ونحسه بالفعل، هذا هو صوتنا الذي انتظرنا طويلا أن نسمعه، أن نردده بيننا وبين أنفسنا، هذا ما فقدناه، وها نحن نستعيده .

تأخذنا الشاعرة إلى أنفسنا إذاً . هي لا تقول هذا مباشرة بل تقوله حين تتوحد مع الوجود، وتنتشر في شعابه، ولن نسأل بعد عن المخاطب تتحدث بهذه الدعوة:

حينما تنبثقُ

متوهجاً باللهفة

أحيطكَ كالأرضِ

والشواطئ

وأدعوكَ إلى العمق

إلى الرحيلِ في غابةِ الأسرارْ

هو الوجودُ الغامر، هو الجزء الآخر من الذات أيضاً، ففي كل اتجاه، كما تقول في سطر آخر، لغة تتحدث عنك وعني . اللغة تتملك ما تتحدث عنه، أي أن لغتنا تأخذنا إلى الأشياء وتأتي بالأشياء إلينا في حركة متبادلة قوامها جسدي كالأثير وأثيرٌ كالجسد . في هذه اللحظات من الاندماج، وهي لحظات تتردد بين سطورها، لا ينقسم الوجود إلى اثنين، بل يتوحد ويتجدد متوهجاً بهذه العاطفة الصوفية:

تغمركَ رموزُ الجسد العاشق

أتلعثمُ، لا أكاد أعي

الزمنَ الغارقَ في الغربة

والجسدَ الذاهبَ في كل الجهات

أتوزّعُ، بعضي لا يعرف بعضي

* * *

قصيدة من هذا النوع تحتفي بالوحدة، وتتردّد بين نغماتِ قرارٍ ونغماتِ جوابٍ، من الصعب أن يمسكها تحليلٌ منطقي أو يأخذها ناقدٌ مأخذ الدروب المألوفة . تماما مثلما لا يمكن أن يكون الشعرُ إلا ومضاتٍ تتوالى لا يحتويها إطارُ نافذة مهما اتسعَ أو تنظيرُ منظر مهما بلغَ أو ارتقى:

من أين دخلتَ إلى قلبي

أيها المتوّجُ بالليالي الثقيلة؟

من أغراكَ بهذا الصمتِ

وأغراني بالبوحِ

وفتّتَ أيامي في الطرقِ المسلوبةْ؟

كثيرة هي الأمثلة التي يمكن الاستشهاد بها من شعرِ هذه الشاعرة المتألقة حالما نعود إليها، وكثيرة هي المتاهات التي افتتحتها ولم يتوقف عندها إلا كل مغامر . ومع ذلك لم تأخذها رغبة إلى الكتابة والحياة أعزّ من حقيقةِ أن تتوحد في هذا النوع من المتاهات:

حقيقةَ أنني أتوحّد كي أحبكَ

حقيقة أن حبنا يتحركُ في الأبدية

كالينابيعْ .

ليلى السايح الآن نجمةٌ نائية في أقصى الأرض، هكذا أتخيّلها، اهتدى بضيائها عاشقٌ مجهولٌ، أصغى لأشيائها تتحدث عنه وعنها في كل الجهات، وما زال يتلفتُ حوله باحثاً عنها في الظلال الآخذة في الامتداد .

هذا توصيفٌ مجازي لكتابةٍ تمنحكَ نفسها وتمنعها، تقول كأنها تتحدثُ إليكَ أو عنكَ، تومئ وتشير فلا يعرف القارئُ هل هو إنسانٌ يمر بحلمِ حديقةٍ أم هو حديقة تمر بحلمِ إنسان .