لينة كريديه: فن الرواية لا يصلح للتأريخ
في كتاباتها تسكن امرأة لها وجع كل نساء الأرض، امرأة ترتدي فستاناً أبيض أحيانا نيابة عن عجائز حُرمن من ليلة عرس حقيقية، وأحياناً أخرى ترتدي الأسود حداداً على ما ضاع من عمرهن من دون جدوى . هي الكاتبة اللبنانية لينة كريديه، التي أطلت على الوسط الأدبي بروايتها الأولى “خان زادة”، ثم تبعتها برواية “نساء يوسف”، التي أحدثت جدلاً ونقاشاً كبيرين، ترفض كريديه في هذا الحوار الكثير من المقولات الشائعة حول الرواية، حيث تؤكد أن فن الرواية لا يصلح للتأريخ أو التعبير عن المهمشين . . . إلخ .
تنشرين التجارب الشعرية الطليعية في دار النهضة، التي تديرينها، رغم الحديث عن عدم رواج الشعر، ومع ذلك تكتبين الرواية فما تفسير ذلك؟
أحبّ الشعر كثيراً، ومن أجل ذلك أطلقت في النصف الثاني من العقد الماضي مشروعاً ثقافياً في دار النهضة العربية في بيروت يقوم على نشر الأعمال الشعرية الحديثة، لا سيما قصيدة النثر لشعراء مخضرمين وشبان، ومنهم من أطلق أول عمل له من خلال هذا المشروع، وقد امتلكت القدرة على إدارة هذا المشروع بطريقة جيّدة، وكنت أعمل على تطويره سنة بعد أخرى، إلا أنه نظراً للأوضاع المضطربة التي تعيشها مختلف الدول العربية، فقد تراجع هذا المشروع أمام الأحداث الأليمة الحاصلة، والتي لها تأثيرها الواضح على مختلف قطاعات الحياة، والفن الذي يعتبر الشعر أحد أوجهه مثله مثل المسرح والرسم والنحت دفع الضريبة الكبرى في التراجع أمام مجرى الأمور الراهنة .
أما بخصوص كتابتي للرواية، فهي أمر آخر مختلف عن نشري الشعر الذي أهواه، لكنني لا أحترفه، عندي فقط محاولات شعرية صغيرة على صفحة التواصل الاجتماعي الخاصة بي، بينما في الرواية أستطيع تجسيد أفكاري والتعبير عن مشاعري وأحاسيسي وأستطيع أن أبدي رأيي في أمور عدة موجودة في حياتنا، هو فن أهواه من أجل الفن والإبداع، كما أشعر أكثر بقدرتي الإبداعية في فن الرواية تحديداً .
ماذا يعني اختيارك اسم “خان زادة” ليكون عنواناً لأولى رواياتك، رغم أنها شخصية ليست محورية في أحداث الرواية؟
“خان زادة” واحدة من أفراد عائلتي الذين أحببتهم كثيراً وكانت لي علاقة مميزة معهم، تؤمن بمبدأ حرية التعبير واحترام رأي الآخر . كما أن “خان زادة” كانت محطّ إجماع العائلة على أنها تمثّل وجه الخير والإنسان الصالح، الذي يتصرّف بذكاء ورويّة واتّزان في معالجة الأمور وحلّ المشاكل ورأب الصدع بين أفراد العائلة، باختصار كانت شخصية إيجابية بكل معنى الكلمة . استعملت الاسم كرمز يجسد وجهاً واحداً من داخل كل إنسان وهو وجه الخير في مقابل الشر، هذا الصراع الأبدي بينهما في النفس الإنسانية، “خان زادة” شخصية غير محورية تماماً كصراع الخير والشر في ذواتنا الذي لا ننتبه له في حياتنا اليومية، وربما اختياري اسمها كعنوان أول رواية لي ما هو إلاّ دليل حب ووفاء لعمة والدي التي لها فضل في تربيتي .
تناولت في “خان زادة” الكثير من الأحداث مثل الحرب الأهلية اللبنانية والاجتياح “الإسرائيلي” لبيروت، في رأيكِ هل تصلح الرواية لأن تؤرخ للأحداث الكبيرة؟
الرواية لا تصلح للتأريخ، فللكتابة التاريخية ناسها، على الأقل أنا أتكلم عن كتاباتي، تستطيع الرواية أن تكون نافذة يطلّ من خلالها القارئ على حقبة معيّنة من الزمن بمختلف أحداثها ومعطياتها . وعند ذكر أو تحديد حوادث تاريخية معيّنة ضمن الروايات، يكون ذلك بهدف إعطاء خلفية لوقائع الرواية وللإحاطة بما كانت تسير عليه الحياة في تلك الحقب المحددة، أنا روائية لا أدّعي أبعاداً لكتاباتي أكثر من فن السرد والقدرة على الإمتاع .
في كتابات لينة كريديه فضح لسيطرة المجتمع الشرقي على أحلام وحريات المرأة، رغم أن الكاتبة تنتمي إلى أكثر البلدان العربية انفتاحاً وتحرراً، فهل يمكن القول إننا كلنا في الهم شرق؟
قد يتراءى لكثيرين أن لبنان بلد منفتح ومتحرر، وهذا أمر نسبي وليس مطلقاً، فالفسيفساء الطائفية التي يحظى بها تعطي هذا الانطباع من بعيد، إنما عن قرب فالواقع مغاير . هناك مناطق فيها تحرّر أكثر من غيرها، إلا أن المجتمع البيروتي الذي أنتمي إليه هو محافظ لا بل متشدد ومتمسّك بالتقاليد ومن الصعب إقناعه بالأفكار أو القيم التحررية الجديدة . وقد وضعتني كتابتي في حالة من التوتر وصلت إلى حد التصادم في علاقتي مع البعض من أفراد عائلتي ومن بيئتي الاجتماعية، وبالتالي لن أتوقف عن الكتابة أو أكتب عما يعجبهم، لذلك هذا صدام لا بد منه، ومن يركب البحر لا يخشى من الغرق، لا بد من دفع ضرائب حرية التعبير، وما يحمي المرأة هو الإبداع الحقيقي واستقلالها الاقتصادي وقوة شخصيتها .
هل تحاولين عبر روايتيك إعادة الاعتبار للمهمشات من النساء العربيات؟
كلا، أنا لا ألعب هذا الدور، جلّ ما قمت به هو تسليط الضوء على مشاكل تعانيها مجتمعاتنا العربية التي يبقى على أصحاب الاختصاص العمل على معالجتها وإيجاد الحلول لها . صحيح أن الروايتين تمحورتا حول شخصيات نسائية، لكن ليس القصد من ذلك هو نصرة المرأة وقضاياها، بل الإنسان بشكل عام لأن ما طرحته من مشاكل يمكن أن يعانيه الجنسان معاً . على النساء ألا يهمشن أنفسهن، لا أحد يستطيع خوض حروب الآخر .
كثيراً ما ينسى المبدع فنه إذا ما أعتبر الكتاب سلعة قابلة للبيع والشراء، فكيف تفصل لينة كريديه بين شخصية “الناشرة” و”الكاتبة”؟
فصلت بين الشخصيتين، حيث صدرت الروايتان عن دار الآداب المتخصصة في هذا النوع من النشر، وبعد خضوعهما لعملية تقييم كبقية الأعمال التي يقوم آل إدريس بنشرها . أما دار النهضة العربية فيقتصر عملها على النشر الأكاديمي الجامعي في حقول الآداب والعلوم الإنسانية المختلفة، وعلى الشعر الحديث في الآونة الأخيرة . لكن بقي هناك تشويش خارجي تمثّل بانتقاد العملين بطريقة غير موضوعية من قبل منافسين في مجال الطباعة والنشر أو من قبل شعراء لم ننشر أعمالهم وأحياناً نتيجة لكره مجاني . في النهاية أنا مؤمنة بأن العمل الجيّد يروج نفسه . نعم بالتأكيد شوشت الناشرة على الروائية، فالنشر تجارة والرواية إبداع، وأنا بينهما . هناك واقع مادي يفرض نفسه فلا بد من العمل للعيش حيث إنه من المستحيل أن تكون كتابة الرواية مصدر دخل محترم للعيش بكرامة .





رد مع اقتباس