محفوظ عبد الرحمن . . شجرة إبداع متعددة الأغصان
أصدر المستشار عدلي منصور، الرئيس المؤقت، قراراً جمهورياً بمنح وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى إلى عدد من الرموز الفنية والثقافية والأدبية، وهو قرار ربما يبدو في ظاهره طبيعيا، غير أنه عميق في المعنى والمغزى الخفي وراءه، وهو إعادة الدور الطبيعي للمبدع، ليكون في مقدمة الصفوف، ما يؤكد وعي الدولة ومؤسسة الرئاسة بالدور الذي يلعبه المثقفون والمبدعون، قرار يؤكد أن غياب هذا التقدير في عهد الإخوان أدى إلى كوارث حقيقية، لأن كل المشاكل التي تعانيها مصر تتلخص في الوعي الثقافي الذي ينعكس بدوره على إصلاح جميع المؤسسات التي تعاني التدهور، أضف إلى ذلك أن هذا التكريم يطمئن المثقفين على الخطوات المقبلة من قبل الدولة تجاه المثقفين .
من بين من شملهم القرار، الكاتب والسيناريست محفوظ محمد عبد الرحمن، الذي وُلِدَ في مدينة "التوفيقية" في محافظة البحيرة في مصر في أوائل ديسمبر/كانون الأول ،1933 غير أن الأسرة انتقلت إلى محافظة الفيوم، بسبب ظروف عمل والده، فتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة "الأقباط" في الفيوم، ثم أكمل دراسته الابتدائية في المنيا، بعدها تلقى تعليمه الثانوي في مدرسة "بني مزار" ثم أكملها في مدرسة "كفر الشيخ" الثانوية؛ إذ كان والده دائم التنقل وفقا لمقتضيات عمله الحكومي .
التحق محفوظ بكلية الآداب جامعة القاهرة عام 1956 في قسم التاريخ، وخلال دراسته الجامعية تعرف إلى الشاعر والمسرحي نجيب سرور، ومن الشعراء السودانيين جيلي عبد الرحمن وتاج السر الحسن ومن الفنانين التشكيليين والصحافيين حسن حاكم، ومصطفى حسين، ومحمود المراغي، ومصطفى الحسيني، ووحيد النقاش، وسليمان فياض، وغيرهم .
مارس العمل الصحافي، فكتب في مجلة "الهدف" التي كان يرأس تحريرها أحمد حمروش، كما كتب في جريدة المساء، التي صدرت عام ،1956 وكان يرأس تحريرها خالد محيي الدين عضو مجلس قيادة الثورة في ذلك الوقت، ثم نشر أولى قصصه في جريدة "القاهرة" عام 1955 برسوم للفنان الراحل صلاح جاهين، حيث كانت بداية التعارف بين صلاح جاهين ومحفوظ عبد الرحمن، كما نشر بعد ذلك في العديد من المجلات المصرية واللبنانية قصصا قصيرة، ومقالات نقدية .
عمل محفوظ مع سعد الدين وهبة في مجلة "البوليس"، وكانت المرة الأولى التي يعمل فيها بشكل منتظم في العمل الصحافي، ثم كانت المقالات الثلاث الأولى منها بما يسمى ب"مقالات الأزمة" في حياته، حيث نشر في مجلة الآداب عام 1955 رأيا في يوسف غراب كان باعثا على الغضب منه، ثم هاجم في المقال الثاني توفيق الحكيم على صفحات مجلة "الرسالة الجديدة" ومنع على أثرها من دخول نادي القصة، ليقود بعدها "الحكيم" حملة لمنعه من الحصول على جائزة الدولة التشجيعية فيما بعد، ثم كان المقال الثالث في مجلة "الثقافة الوطنية" محفزا لغضب د . مصطفى محمود عليه، فكانت للمقالات الثلاث سببا في "أزمة" كبيرة بينه وبين عدد من كبار الكتاب والمبدعين، ليأتي المقال الرابع لاذعا عن مجموعة قصصية للكاتب لطفي الخولي، اكتشف بعد ذلك محفوظ أنه قد تحامل عليه، فقرر ترك كتابة النقد نهائيا، رغم الضغوط التي تعرض لها من قبل يوسف إدريس، ليستمر في كتابة النقد الأدبي، لكن دون جدوى .
كتب محفوظ عبدالرحمن الكثير من القصص التي نشرت في "مجلة الآداب البيروتية"، كما نشر في صحيفتي الجمهورية والمساء، حتى كتب أولى مسرحياته تحت عنوان "اللبلاب" عام ،1963 وكانت هذه بداية حقيقية في كتابة المسرح بعد مسرحيات قصيرة عدة كتبها ونشر بعضها إلا أن "اللبلاب" قوبلت بالرفض من قبل الرقابة على المصنفات الفنية، والتي أوقفت عرض المسرحية التي بدأ بروفاتها المخرج حسين كمال، قبل ثلاثة أيام من ميعاد عرضها، ليتوقف بعدها عن الكتابة للمسرح مدة 12 عاما .
كتب رواية "اليوم الثامن" عام 1967 ونشرت في حلقات مسلسلة في مجلة "الإذاعة والتلفزيون" لتكون أول أعماله الروائية التي كتبت أثناء فترة تفرغه التي قضاها في مدينة "زفتي"، وتعد هذه الرواية في مضمونها أول تعبير أدبي عن تاريخ المقاومة المصرية ضد الاحتلال الإنجليزي في ثورة 1919 خاصة في الريف، ليواصل بعدها كتابته للسهرات الدرامية للتلفزيون، وفي عام 1970 تقدم لنيل جائزة الدولة التشجيعية في الأدب عن سهرة تلفزيونية بعنوان "فوتوغرافيا" ونالها بعد حرب ضروس من قبل عزيز وثروت أباظة، اللذين كانا ضمن لجنة التحكيم تحت رئاسة توفيق الحكيم آنئذ، وكانت اللجنة تميل إلى إعطاء الجائزة للكاتب محمود يوسف لاعتبارات خاصة بها .






رد مع اقتباس