محمد بهنس . . نهاية على قارعة الطريق
يجيء رحيل الفنان التشكيلي السوداني الشاب محمد بهنس عن عمر 43 عاما، والذي وجدت جثته على أحد أرصفة العاصمة المصرية القاهرة، ليطرح العديد من الأسئلة، خاصة أن الفنان الراحل قد عانى خلال الأعوام الأخيرة ظروفاً اقتصادية صعبة جعلته يترك المنزل الذي كان يعيش فيه ليقيم في الشوارع والميادين المصرية . رغم أنه كان صاحب تجربة فنية واعدة، حيث شارك في معارض فنية عدة في مصر وفرنسا وألمانيا وأديس أبابا وغيرها .
يقول د . حيدر إبراهيم علي، مدير مركز الدراسات السودانية في القاهرة، "مشكلة بهنس وجيله أنهم ظهروا في فترة صعبة في الثقافة السودانية، جاؤوا في منعطف تاريخي هابط، فعاشوا داخل السودان مهمشين تماماً، فالثقافة أصبحت مخربة ورهينة لأيديولوجية واحدة، رغم تنوع الثقافة السودانية ومخزونها الحضاري العميق، منذ صعود التيار الإسلامي، تم تطهير كل المؤسسات من كل ما لا ينتمي لهذا التيار، حيث فُصل عدد كبير من المبدعين من مؤسسات الثقافة، وطبق النظام سياسة "إعادة صياغة المواطن السوداني"، وفق رؤية محدودة، مما اضطر الكثير من المبدعين إلى الهجرة خارج الوطن" .
ويضيف د . حيدر: "حياة بهنس لم تكن مستقرة، سافر لفترة إلى فرنسا، لكنه لم يستمر هناك حيث تزوج لفترة، ثم عاد إلى القاهرة ليجول في شوارعها، ولو كانت الظروف طبيعية في وطنه كان يمكن أن يكون مبدعاً بارزاً، فاختياره الغربة نتيجة، لأنه لم يجد وسيطاً ثقافياً يعمل من خلاله، لقد تم اقتلاعه، فصار يمشي كأنه يسير إلى المجهول" .
وعن التجربة الفنية المتنوعة للفنان الراحل يقول د . حيدر: "كانت تعجبني محاولاته الشعرية أكثر من الأشكال الفنية الأخرى، كالرسم والموسيقى لأنه كان يحوّل اليومي إلى كتابة شعرية لافتة، ويحوّل الصور المعتادة والتفاصيل اليومية إلى لغة ذات طابع شعري تستطيع أن تجذب القراء من خلال المزج بين عمق الفكرة وبساطة اللغة، فالممارسة العادية والكلمات اليومية جعلها قصائد بالغة الروعة، وإن كان لم يصدر ديوانا، لكنه أقام مجموعة من المعارض الفنية" .
كان بهنس أحد أصدقائي، وآخر مرة التقيت به قال لي: أريد أن أسافر إلى فرنسا، ثم رأيته بعد ذلك في أحد شوارع القاهرة وسألته لماذا أصبح هكذا؟ فنظر إليّ بأسى ثم مضى في طريقه، كان يحاول أن يبتعد عن الحياة ويعيش في عزلة، وكأنه يحتج على ما يعيشه المثقفون من عزلة ضارية .
ويرى الشاعر السوداني المقيم في القاهرة علي الكامل أن الجانب الجنائي يغيب عن حادث بهنس، فبهنس والذي لم تكن له عداءات أو خلافات مع أحد يقول: هذا فنان محترم له تجربة متميزة وله مشاركات دولية، وكان يسعى دائما إلى تحقيق خصوصية فنية، إضافة إلى كونه مبدعاً متعدد المواهب، فقد كان يكتب الشعر والقصة، إضافة إلى مجال الرسم، وخلال السنوات القليلة الماضية كانت هناك أصداء جميلة حول ما قدمه من رسومات ذات طابع حداثي، استفاد فيها من الموروث الشعبي، كما كانت له تجارب متعددة في الشعر، لكنه لم يصدرها في كتاب" .
الفنان السوداني حمور زيادة يقول: "بهنس كان فناناً واعداً، حيث امتلك طاقة فنية متجددة باستمرار وسعى دائما إلى أن يكون نفسه، بما يمتلكه من حيوية ونشاط وحب للحياة، وقد ظهر ذلك جليا من خلال حرصه الدائم على التواجد في معارض تشكيلية مع فنانين شباب من مختلف أقطار العالم، وكذلك مشاركته في أحد المعارض في ألمانيا، كان يسعى جاهداً، وبشكل متمرد، إلى الإبداع الجديد مستعينا بموهبة استثنائية، لكن ظروف الحياة لم تساعده على الاستمرار" .
ويرى الفنان التشكيلي المصري أحمد عز العرب أن تجربة بهنس وغيرها من تجارب الشباب كثيرة تدعو للتساؤل حول مستقبل الفن والثقافة والإبداع، فالمبدعون دائما بحاجة إلى رعاية من المؤسسات الثقافية الرسمية، حتى لا يتعرضوا للمصائر المجهولة، فكثير من المبدعين يعيشون في عزلة نتيجة لتهميش دورهم، على الرغم من أن النهضة الحقيقية لأي مجتمع تكمن في رعاية المواهب المبدعة، ويطالب عز العرب بضرورة أن تفتح المؤسسات الثقافية أبوابها لكل صاحب موهبة، بدلا من أن تتكرر مثل هذه المأساة التي تعرض لها بهنس .
ويتفق مع هذا الرأي الفنان التشكيلي المصري محمد رضا، الذي يؤكد أن ما حدث هو مأساة إنسانية بكل معاني الكلمة، فأن يموت فنان ومبدع هكذا على قارعة الطريق بلا رعاية أو اهتمام من أحد، هو أمر يدعو للأسف، ويطالب رضا بضرورة الاهتمام بأعمال الفنان الراحل ومحاولة جمعها، وإقامة معرض لها، في محاولة لتكريمه، ويمكن أن يُقام هذا المعرض في القاهرة إذا كانت الظروف في السودان لا تسمح بذلك .






رد مع اقتباس
