فيروز المكان
علي أبو الريش
* الاتحـاد
مسحت يدي بقلبي ورفرفت الروح كجناحي فراشة، هي في المكان نفسه على دكّة إسمنتية بجوار جدار يحصد قِدمه، وبابه الموارب، يغسل بالصمت المهيب، لوحه المعتق، ويمضي في تعداد الكائنات الهاربة من عراكها اللذيذ.. وسدت رأسي على فراغ المراحل، واجتزت وعورة الذاكرة، باحثاً عن صورة، عن رسم أو وشم، عن حلقة في الظهر لم تنحنِ بعد، عن وجنة ما غزتها التجاعيد، عن عينين ما اشتد في محيطهما البياض، عن شفتين ما ذبلت سجادتهما الحريرية، عن جبين ما تغضن ولا تفنن في نسج خيوط العنكبوت على صفحاته.. لم يكن في المشهد سوى كائن شائه، يخرج من غابة التوحش، من عزلة حاكت شراكها المؤذية، من دمعة حبست أنفاسها عند محجري العينين، من آهة أشبه بالريح المكتومة في مخزن القلب.. وجدت جسداً متهاوياً متداعياً، أكلت من لحمه وعظمه، أضراس زمان عندما أراد الخيانة، استل مهنداته، صقالاً قواطع، فانهال يسحل وينحل وينخل وينجل حتى صار سعاله هديراً في الصدر الضامر.. صار سعاره زمجرة في القلب المتواري خلف أضلاع كأقفاص مهترئة.
المرأة.. المرآة
هذه المرأة.. هذه المرآة، هذه الصورة المبجلة لأحلام لم تكتمل فصولها، هذه السورة التي لم تلهج بها الألسن، هذه النخلة العجفاء تراوغ المكان عن زمان كان، لكنه فر من قسورة اللهاث وعبث الأقدام الجارية خلف صور أبشعها خيال جامح. هذه المرأة السامقة عند جدار يتهجى حروف زمانه، ويوم كانت الجدران أبواباً مفتوحة، وقلوباً مشروحة وحكايات تلف سجادة الوعي بخيوط الأشواق ولا تطوي السجل إلا على ابتسامة أشبه ببياض الموجة.. هذه المرأة تجلس هناك عند زاوية ضيقة في زقاق يلتف على الرمل، كأفاعٍ خائفة تجلس وتحاذيها كائناتها النبيلة، تناغي هذه وتدغدغ تلك، والمواء تغريدات صباحية لأجل أن تشرق الشمس، وتحكي السماء قصّة الغواية الأولى، وتطعم الهائمات من رغيف الحياة، أو تقول شعراً قديماً، ظل في دفتر القلب كأنه الخربشة العفوية.
هذه المرأة تسود هناك بوحدة موحشة تقضم من بقايا خبز الأيام، ثم تمضغ باللثة المجردة وتسعد بالرضاب الذي ما ذاقه لسان منذ أن ترجل الفارس، وامتطى عريه وغيابه، جواداً، ذاهباً إلى اللاشيء.. تبدو مبتسمة بسخرية الذين قالوا للزمن «نحتضن كل شيء ولا نملك إلا الهواء».
ثم تلتفت يمنة ويسرة، وكأنها تبحث عن خاتم سليمان أو قصة الهدهد الغائب، أو عن بلقيس التي لم ينجبها قط.. هنا في هذا المكان، هنا في وعيها، الأشياء تلاشت كأنها فصوص ملح، ذابت في الذروة القصوى واحتسى البيت القديم حسرة الفقدان.. توارى خلف جدران أخر، تلاشت في عدميتها، ولا سقف سوى زرقة السماء، ولا صوت سوى صرير يحرك في المكان جدلية النشوء والارتقاء ما شابها من مسرحية هزلية أغرت، وحشدت جل المشاعر، وختمت النهاية، بابتسامة مأساوية ارتسمت على وجنتي المرأة الصامدة.
حارسة الرمل
هذه المرأة، استثنائية في إرادتها، فريدة، عتيدة، مجيدة في عزلتها التي جاءت بعد زوال أقمار وأفول نجوم واحتجاب شموس.. لم يبق في الزقاق سوى بقايا أثر لأقدام مرّت من هناك صارت الآن تحرس الرمل المتبقي وتعيد للذاكرة وعيها عندما ترتاد النفوس أشواقها المغيبة.. هذه المرأة تبدو الآن أسطورة أو أحفورة، أو صورة، أو سورة، أو جذراً يابساً لكنه، أبى أن يكون بلا رائحة، فاستمر العطر يسلب ألباب الذين يمرون على عجل، فتوقفهم كائنات الله التي تمدد برشاقة الأحلام الزاهية، يتوقفون ويستمرئون المشاهدة، تكون المرأة قد تكورت هناك عند القبة المقدسة تكون قد جمعت شتات الوقت، وجاشت تخض ضرع الأيام رافعة نشيد الروح.. قائلة بنشيج يستدرج الذاكرة بحفاوة المشتاقين.. والمشتاقات إلى زمن ولى.
«البارحة يوم الملا رقود
باطن حشايا فيه وسواس
أبكي على مزموم لنهود
لي في الخلايا يصير رماس
العين دعجا والهدب سود
والخد لامع كنه قرطاس»
هذه المرأة، شهوة الأرض للماء، صبوة الطير للفضاء، نخوة الشجر للنماء، هذه المرأة النجوى والنوى والجوى، والحلم الذي يمشي في الزقاق يسأل الجدران عن الذين رحلوا، والذين غابوا وتواروا خلف سحابات النسيان، هذه المرأة مثل حمامة انشقت السماء عنها فانبثقت كوناً بلا ذاكرة، سارت تجوس في فضاءات التشرد، والمعنى في الروح يشخب بما لعج وتوهج، وما اكتنز في أحشاء الظلام حين تكون اللآلئ بلا هوية، وتكون الأفنار مضاءة بالعوادم المعتمة.. هذه المرأة، وحدها التي أقرت أنها ستعيش أبعد مما يكون في خلد السماء واستقرت في الوعي تحلب ضروع النجوم وتتجلى غيمة بلا مطر، تجسد في الأرض كيف للروح عمر لا تحسبه الأيام، وكيف يكون للجسد بريق، لا يخضع لقوانين الكون، ولا تفنيه اللحظات الفانية.. هذه المرأة مثل أفروديت المغدورة في غياب أدونيس الممزق، هذه المرأة تجلد حبال الأيام على أرجوحة الفرح تغني وتساور المواء بمواويل نبعت من تراب القلب من بقعة مباركة من وجدان مخصب بالحياة.. هذه المرأة تلون بابها الموارب ببريق دمعتها المتدفقة تتألق شوقاً وألقاً تتدفق وعداً أممياً من أجل الحياة، ولا حياة من دون أنهار الدموع، الطالعة كسيقان سدرة مبتلة بالندى.
هذه المرأة كأنها النون والقلم، كأنها السطر المنعم بخير الكلم، كأنها حرف الجزم في الكلام المسرف في الحزم هذه المرأة الجديد في حديث الأزقة والجدران الجاثية على خاصرة الأرض، هذه المرأة في القديم خبَّت وصبَّت وأحبت وأصابت وأجابت، واستجابت لحلم الليلة الفائتة، هذه المرأة أغنت الأفنية الواسعة، بحديث ونثيث وحثيث، وامتلكت ناصية الشهقات الكامنة، هذه المرأة مثل كتاب ضُم في مخبأ الزمن ولم يزل بعد يحفظ الكلمات مجففة بهواء الذاكرة، هذه المرأة لم تزل تكتب وتقرأ بأمية شفيفة وأشف من أوراق التوت، هذه المرأة تقرض الشعر وتحرض الأنام لأن يتهجوا حروف الحب بأناة وتؤددة، وأن يستقرئوا ما يجيش في مسام الجسد، لأن للجسد إيحاء وحياء وأحياء يبيتون تحت الجلد، حتى وإن عجفت العروق وذابت شحمة القلب تحت سياط ملتهبة..
امرأة للذاكرة
هذه المرأة تسكب شايها في فناجين اللذّة الأخيرة، ثم ترشف بوعي ما في القطرات من رجفة وخفة، وما في القاع من حثالة.. هذه المرأة تبسمل وتحمدل، وتفرقع الأصابع المرتعشة، ثم تنظر إلى العراء تنظر إلى الاتساع، مستوحية من الذاكرة كائنات مرّت على القلب فالتقطت حبّات الوجد، ثم طارت متثائبة، وفي ريعانها، أجهشت إثر حلم ولما صحت فركت الجفنين، ولم تر غير وسادة خالية ورائحة عطر قديم، وبعض البلل.
هذه المرأة تفكر في رفيقة عمر كانت هنا واليوم قد رحلت، كانت تجول حولها واليوم لم يبق من أثر سوى بقايا حطام خلفته وقت الهروب في وعاء رث عند زاوية من الغرفة الجالسة على ركام وحطام.. هذه المرأة تواجه اليوم كلام الأولين والآخرين بلسان ملؤه عذوبة الشهد، ونعومة الحرير، ثم تشيح مناغية، القط الأصغر الذي ما زال يشرب الحليب من يدي صاحبته، ثم تلكزه بخفة قائلة.. هذا يكفي..
هذه المرأة، مثل بوذا في عزلتها وصفائها ونقائها، وحلمها الذي يتدفق كموجة سليلة المحيطات المذهلة.. هذه المرأة مثل دراجة بلا عجلة تذهب عنها الحياة، ولا تلاحق هي إلا الفراغ.. هذه المرأة مثل سطوة الحلم، تأتي ولا تأتي، تدير ظهرها لبقايا حلم، ثم تتوسد حزنها.. هذه المرأة ترسم على الرمل صورة رجل عيناه مثل نجمتين بعيدتين، وأصابعه سحابات تطوف حول الجسد ولا تلمسه.. هذه المرأة ترسم الأشياء مبهمة، ثم تضحك ثم تولي الأدبار متحدة، مع الصمت والعزلة، ثم تغفو وفي الصباح، تقرأ الفنجان، وتشهق قائلة: هذه الحياة مهزلة، هذه الحياة قُبلة زائفة، هذه الحياة، ابتسامة كاذبة.. هذه الحياة، مسرح وأبطاله فنانون مبتدئون، لذلك فإن الوقوع سهل والنهوض مستحيل.





رد مع اقتباس