خرج من ثيابه
مقال يوسف أبو لوز / دار الخليج
ينقل الشاعر الفلسطيني يوسف عبدالعزيز عبارة جرت على لسان جدته التي صاحت “هل أنا شجرة؟”، وذلك عندما ضاقت ذرعاً بأمر ما يتعلق بانشغالاتها في البيت ومع أحفادها وقد نفد صبرها، فما كان من لسانها الشعبي إلا أنه أطلق هذه العبارة التلقائية من فم سيدة لا تقرأ ولا تكتب، ولكنها عبارة مملوءة بروح الشعر، فالشجرة من أكثر الكائنات الحية صبراً على الرياح والعواصف وسنوات الجدب وأيام القيظ، وإذا ماتت الأشجار تموت واقفة، والبعض يضرب الشجر بالحجر وبالعصي ليحصل على ثمرة بعيدة عن متناول يده، ومع ذلك كما لو أن الشجرة تبتسم أمام خشونة الإنسان وسلوكه الفظّ هذا فترسل له الثمرة عن طيب “قلب”، وتذهب هي الى مواصلة وقوفها الأبدي في ظلام الليالي وحرّ أو برد الأيام .
والشجرة أقرب إلى المرأة، فإذا كانت المرأة كائن العطاء الدائم في دورات ولاداتها وخصوبتها الأساسية لاستمرار الحياة، فالشجرة أيضاً رمز العطاء ورمز الجمال أيضاً . . الجمال الذي هو التلخيص النهائي لكيان المرأة وشخصيتها الأنثوية الشفيفة .
فانظر إلى لسان امرأة متقدمة في العمر، وفي لحظة ضيق عابرة، كيف لخّص هذه الدلالات في عبارة مكثفة . . “هل أنا شجرة؟” .
اللسان الشعبي أو الفطري يمكن أن يلتقط اللغة والمجاز بكفاءة أجمل وأسرع عن اللسان الفصيح، وإذا أصغيت إلى مجرى الكلام على ألسنة الآباء والأجداد خصوصاً أولئك الذين لم يحالفهم الحظ في اكتسابهم قسطاً من التعليم ولم يدخلوا مدرسة ولا كتاتيب . . إذا اقتربت مع روح اللغة أو من روح البلاغة لدى هؤلاء الفطريين لوجدت أنك في قلب البداهة اللغوية غير المشوهة بما يسمى “التثاقف” القائم على الخبرة والصنعة .
تقول المرأة الشعبية إذا غضبت من زوجها أو من ابنها “ . . لا تجعلني أخرج من ثوبي”، وإذا تأمل العقل الشعبي هذه العبارة لحوّلها إلى صورة تجريدية بالخبرة الفنية للشعر، ولكن التجربة الانسانية الشعبية لا تعترف بالتجريد، فلا أشياء مجردة في عين امرأة أو في عين رجل، إنما هناك كلمة واحدة صغيرة هي “الحياة” التي يولد فيها هؤلاء الفطريون ويموتون بعيداً عن البلاغات الكبيرة واللغة الكبيرة والمواربة خصوصاً لغة السياسي التي تحمل أكثر من وجه وأكثر من قناع .
فكم من امرأة شجرة تحديداً في فلسطين التي يضيق عليها الصبر . . بل، وكم من رجل “خرج من ثيابه” . . ولم يعد؟





رد مع اقتباس
