النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: محمد مهدي الجواهري في براغ

العرض المتطور

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    محمد مهدي الجواهري في براغ

    محمد مهدي الجواهري في براغ





    توفي الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري في دمشق عام 1997 بعدما أمضى معظم سنوات حياته متنقلاً بين ربوع العالم ومدنها، بشكل قسري أحياناً واختياري أحياناً أخرى، فأقام في بعضها لفترة قصيرة، وجعل بعضها الآخر جزءاً من كيانه ووجوده، فاستقر فيها لفترات طوال .

    وكانت العاصمة التشيكية براغ إحدى محطات حياته المهمة، فنهل واستلهم من تقاليدها وجمال طبيعتها ومعالمها، ثم أكرمها ببعض من أجمل قصائده وعددها حوالي 15 قصيدة، تناولت انطباعات ومواقف حسّية ومشاعرية مرهفة، حاول الجواهري من خلالها، كعادة الشعراء دائماً، التعبير عن مكنونات نفسه بما كان ينتشر حوله من تجارب إنسانية كثيرة . أراد الجواهري أن يهدي براغ نتفاً من إبداعاته، وأن يجعلها جزءاً من ملحمة حياته الأسطورية الخالدة، وهو بكل تأكيد شرف لم تحظ به هذه المدينة من أي شاعر عربي آخر .

    لقد ظهرت كتابات كثيرة حول الظروف التي أجبرت الشاعر على الخروج من العراق، والتوجه إلى ما كان يعرف في تلك الفترة بتشيكوسلوفاكيا . والمتعارف عليه مما يتوارد إلى الأذهان وينشر في الدراسات المتخصصة بين حين وآخر، أن الجواهري لم يكن في البداية متوجهاً إلى براغ، بل إلى ألمانيا الديمقراطية السابقة، وكانت محطته الأولى بيروت التي وصل إليها من بغداد للمشاركة في مناسبة تكريم الأخطل الصغير . هذا الأمر يؤكده أيضاً مركز الجواهري في براغ، الذي يؤكد في غير مناسبة أن علاقة الجواهري في تلك الفترة مع الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم كانت قد أصبحت على غير عهدها، وشابها توتر يثير القلق، لا سيما أن آراء الرجلين، أي الجواهري وقاسم، باتت متفاوتة حيال كثير من الملفات السياسية العراقية .
    وقبل فترة كشف المركز المذكور عن وثيقة عثر عليها في أرشيف وزارة الخارجية التشيكية، تبيّن الأسباب التي اعتمدها الجواهري لطلب "اللجوء السياسي" في براغ، ومنها تعرّضه لمضايقات من قبل النظام الحاكم، والتي تنامت بدرجة خطيرة باتت تهدد حياته الشخصية وبعض أفراد عائلته، كما زُج به في السجن رغم تقدمه في السن . ويبدو أن الضغوط التي مورست ضده في تلك الفترة شملت عمله الصحفي أيضاً، فأصدرت السلطات حظراً على كل ما كان مرتبطاً به من صحف ومطابع وما شابه، إضافة للحجز على حاجاته وممتلكاته الخاصة .

    وتشير معلومات أخرى أن ألمانيا الديمقراطية هي التي حذّرت الجواهري أثناء تواجده في بيروت من الخطر المحدق به، ونصحته بالتوجه إلى برلين (الشرقية) للإقامة فيها ريثما تتوضح الأمور . إلا أن عوامل مختلفة، غير مكتملة المعالم بعد، ساهمت ببقاء الجواهري في براغ التي وصلها كمحطة أولى . منها ما يشاع عن رسالة بعث بها اتحاد الكتّاب التشيكوسلوفاكي إلى الجواهري، طالباً منه فيها أن يبقى في براغ .

    ومؤخراً كشف رواء الجصاني، ابن شقيقة الجواهري ومدير المركز الذي يحمل اسمه في براغ، أن الحزب الشيوعي العراقي، الذي كان في موقع الحليف الوثيق للحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي، توسط أيضاً لدعم طلب بقاء الجواهري في براغ .

    أقام الجواهري خلال فترة السبعينات في شقة في حيّ "بترشيني" في براغ ،6 وهي شقة عادية في مبنى كان يصل إليه مستخدماً حافلة الترام رقم 18 أو ،1 وكان بزيّه المميّز، وتحديداً قبعته الشهيرة التي لا تفارق رأسه شخصاً لافتاً للنظر دائماً، لا سيما في المقاهي الشهيرة التي كان يرتادها، مثل مقهى "أوبتسني دوم"، ومقهى "سلافيا" المواجه للمسرح الوطني، فكان يحرص على الجلوس في المقهى الأخير على مقعد يسمح له بإرسال نظره إلى المشهد المطل على نهر "فلتافا" والقصر الجمهوري المشرف على براغ .

    ونحن، طلاب كلية الصحافة آنذاك، كنا نمتّع نظرنا بذاك الشخص الشارد أحياناً، والمتحدث مع آخرين أحياناً أخرى، الذي كان "يرافقنا" في عاداتنا الروتينية اليومية المتوزعة بين مقاهي براغ وأحداثها الحافلة، وحافلات الترام التي كانت تقلّنا من حي "بترشيني"، إلى مشكلات الدراسة والأنشطة الطلابية على تنوعها .

    أُغرم الجواهري ببراغ "التي أطالت الشوط من عمره" كما قال في إحدى قصائده . وقد عبّر عن مكنونات نفسه في مجموعة من القصائد التي يقول في إحداها:
    قِف على "براها" (أي براغ) وجُب أرباضها وسلِ المصطاف والمرتبعا
    أعلى الحُسنِ ازدهاء وقعت أم عليها الحسنُ زهوا وقعا
    واستعر منها عيوناً جمّة وتملّ الناس والمجتمعا
    وسلِ الخلاّق هل في وسعه فوق ما أبدعه أن يُبدعا
    وفي قصيدة أخرى حملت اسم "براها"، وهو اسم براغ باللغة التشيكية، يقول:
    (براها) سلامٌ كلما خفق الصباحُ على الهضاب
    ما هز فجرٌ بالندى خضر الأباطح والروابي
    ما طارح الروض الحمامُ لدى الشجيرات الرطاب
    ما طارحته حمامة بهديلها، شجو التصابي
    (براها) سلام ما اكتسى ألقُ السنا مزق الضباب
    (براها) سلام ما ارتمت كِسَرا أغاريد الشباب
    ما فاض كوبٌ بالشراب وخلا على شفتي كعاب . .

    إضافة إلى ذلك نجد في إرث الجواهري الكثير من القصائد المرتبطة بأحداث ووقائع تاريخية مختلفة نظمها وألقاها في مناسبات مختلفة في براغ، منها قصيدة "أنتم فكرتي" التي ألقاها بمناسبة الذكرى 15 لتأسيس اتحاد الطلاب العالمي، و"حييتهن بعيدهن" بمناسبة عيد المرأة العالمي، و"أمين لا تغضب" التي جاءت بُعيد الانقلاب الدموي البعثي في العام 1963 حيث أنتخب الجواهري رئيساً للجنة الدفاع عن الشعب العراقي والتي اتخذت من براغ مقراً لها .

    ولأن براغ وفرت البيئة المناسبة لهذا الشاعر الكبير، فقد أبدع فيها بعض أجمل قصائده الشهيرة مثل "دجلة الخير"، و"أيها الأرق"، وغيرهما كثير .

    إضافة لما سبق، فقد حرص الجواهري أن يخص تشيكياً إجمالاً ببعض من أحاسيسه المكتوبة، وأبرزها "يا غادة الجيك"، و"بائعة السمك"، و"آهات" التي سبق الاقتباس منها، إضافة لقصائد أخرى تُبرز أشكال الجمال المختلفة في هذا البلد، طبيعياً وبشرياً لا فرق، ومنها ما كُتب بعد مجالسة شعراء آخرين مثل مظفر النواب، والشاعر الفلسطيني سميح القاسم .

    رغم كل الحب الذي فاض به الجواهري في براغ تجاه هذه المدينة الساحرة، إلا أنه بقي غائباً بشكل كامل عن الوعي الثقافي التشيكي، مقارنة بالاهتمام الذي حظي به مثقفون ومبدعون آخرون من قوميات وجنسيات أخرى . "السبب في ذلك هو أن الجواهري كان يكتب باللغة العربية الصعبة" كما كتب ذات يوم المستعرب الراحل يارومير هايسكي، أحد مؤسسي مركز الجواهري في براغ . نعم، أن عدد التشيك الملمّين باللغة العربية، والقادرين على قراءة الشعر العربي الكلاسيكي تحديداً، هو ضئيل جداً، وقد يكون ذلك سبباً منطقياً إلى حد ما .لكن تبقى هناك، حسب رأيي، أسباب أخرى أكثر إقناعاً، أبرزها ما يؤشر إلى تراجع الاهتمام برسالة الشعر والشعراء، والتقليل، عن قصد أو جهل، من قيمتهم الإنسانية بشكل عام . المشكلة إذاً ليست موجودة فقط عند المستشرقين والمسؤولين التشيك، بل عند العراقيين أنفسهم، والعرب بشكل عام .

  2. #2
    عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    25 - 6 - 2014
    المشاركات
    4
    معدل تقييم المستوى
    0

    رد: محمد مهدي الجواهري في براغ

    التعديل الأخير تم بواسطة إدارة 9 ; 2 - 9 - 2014 الساعة 04:18 AM

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •