دولة من الصور . .

يوسف أبو لوز

* دار الخليج



في يوليو/تموز عام 2000 رأينا صورة واسعة الانتشار للمفكر الفلسطيني البروفيسور إدوارد سعيد وهو يلقي الحجارة على حاجز عسكري "إسرائيلي" حدودي مع لبنان وكان إلى جانبه ابنه الذي أمطر "الإسرائيليين" هو الآخر بالحجارة، وعلى أي حال منذ انتفاضة الحجارة الفلسطينية في أواخر عام ،1987 وكأن الفلسطيني لا يملك إلاّ الحجارة . مرة يقاوم بها، ومرة يعيد بناء بيته الذي هدمته طائرة أو جرّافة، ومرة يرمّم سور داره، وعلى الحجارة سال دمه، وبالحجارة صنع ثورة مدنية صغيرة لم تتكرر ثانية بصورتها الوطنية الحالمة .

الفلسطيني، أيضاً كان وراء المزيد من الصور التي طارت في الفضاء الإعلامي العالمي، فمن منا ينسى صورة الجنود "الإسرائيليين" الذين انهالوا على عدد من الفتية الفلسطينيين في سفوح أحد الجبال وكسّروا أيديهم بالحجارة . أما أكثر الصور حرارة فهي تلك التي تظهر فيها امرأة فلسطينية مسنّة وهي تحمي شجرة زيتون بيديها وتطوّق جذعها كما لو أنها تطوّق ابنتها، والمرأة فعلت ذلك لأنها أرادت أن تحمي شجرة الزيتون من أسنان بلدوزر "إسرائيلي" في إطار سياسة تجريف الأرض واقتلاع الأشجار التي تموت واقفة كما يموت الأطفال بالطول وليس بالعرض .

ولا تنس أيضاً المزيد من الصور:

صورة حريق المسجد الأقصى . صورة حريق بل حرائق مخيم جنين . صورة ياسر عرفات وهو يغادر المقاطعة وقد أكله السمّ . صورة الطائرة "الإسرائيلية" التي تتعقب على الأرض طفلاً أو غزالاً . صورة فتات لحم غسان كنفاني في بيروت . صورة، بل صور، التراجيديا الكنعانية المديدة من دير ياسين إلى صبرا وشاتيلا وإلى تل الزعتر بل، وإلى الكثير من التلال المصنوعة من اللحم والعظام .

الفلسطيني صانع حاذق للصور .

إنه صانع وهو أيضاً موضوعها وفكرتها وتفاصيلها . إنه، ببساطة، المصور وهو الصورة . يحمل هذه الكاميرا منذ أكثر من 60 عاماً . يحمل أرشيفه الذي لا ينضب، ويحمل نوعاً من الذاكرة المتحركة . وهو بهذا المعنى "جمل المحامل" وهذه لوحة تشكيلية رسمها الفنان الفلسطيني سليمان منصور يظهر فيها رجل كهل وهو يحمل على ظهره قبة الصخرة ويغادر إلى مكان مجهول .

تستطيع القول إن "جمل المحامل" هي صورة الفلسطيني الذي لا يحمل في ذاكرته فقط، بل، ويحمل بلاده وأولاده، وحقوله، وماشيته، وأشجاره، وعندما ينتبه فجأة إلى نفسه وإلى مشهديته التراجيدية هذه يعجب أنه بكامل صلابته وشبابه .

اليوم . . العالم ببطء وحذر وبرود أوروبي وغربي رهيب يتقدم للاعتراف بدولة فلسطين، فيا ليت يعود هؤلاء إلى أرشيف صور هذا الفلسطيني الذي أقام دولته هذه منذ 60 عاماً . . دولة من الصور والأرشيف والذاكرة، اعترف بها الضمير الإنساني الغائب .