“الشجرة النائمة” رحلة الحياة والأحلام والعذاب
يعتبر فيلم "الشجرة النائمة" للمخرج محمد راشد بوعلي، والذي عرض في مسابقة "ليال عربية" بمهرجان دبي السينمائي، هو الفيلم الروائي البحريني الطويل بعد انقطاع عشر سنوات، وتدور أحداثه حول الطفلة أمينة، التي أدت دورها ببراعة حوراء شريف وتعاني شللاً دماغياً الأمر الذي يفرض على والديها "جاسم" و"نورة" ملازمتها بالبيت للعناية بها، فيما ينأى "جاسم" عن حياته العائلة ويغرق في عزلته وتوتره .
يبدأ الفيلم بمشهد موسيقي وبصري صوفي، حيث يعزف "جاسم" على مزمار القربة وإلى جانبه ابنه وابنته وأصدقاؤه وزوجته، ويحتشد المشهد بثراء بصري وموسيقي كبير، حيث تتداخل إيقاعات الطبول التي تعزف عليها مجموعة من الرجال مع المزمار ونظرات الموجودين، الذين يكملون المشهد فتقفز التساؤلات حول من هم وما يجمعهم في هذه الصورة المشهدية الغنية .
التساؤلات يجاوب عليها المخرج وفريق العمل فيما بعد لتتوالى أحدث الفيلم وتعرفنا إلى شخوص مشهد البداية واحداً تلو الآخر، إضافة للشجرة التي كانت جزءاً أصيلاً فيه، فجاسم عازف القربة هو الأب الذي سنتوقف على عزلته وعذاباته وأحلامه في الأحداث التالية للفيلم، أما الزوجة "نورة" التي أدت دورها الممثلة هيفاء حسين، فهي الأم المعذبة بمرض ابنتها وتلازمها طوال اليوم ولا تمل في البحث عن علاج لها بعد أن جربت كل السبل، برعت هيفاء حسين في تجسيد الدور وأطلعتنا على معاناة الأم وهي ترى ابنتها تكبر أمامها دون أن تقوى على الحياة .
11 سنة مرت الآن وأمينة طريحة الفراش، وشفاؤها لا يعدو كونه مجرد حلم تزور والدها "جاسم" كل لحظة لتسيطر عليه بالكامل ويعيش حالة من الحلم المستمر .
تمضي الأحداث في الفيلم بتسلسل زمني طبيعي في بداية الأمر لتروى بشكل مباشر، وبينما يستغرق الوالد في عزلته يعيدنا المخرج إلى بداية القصة، إلى مراحل ما قبل مرض أمينة، في مشهد استعادي "فلاش باك" يروي تفاصيل علاقة الحب التي تربطته بأمها وما بعدها ذلك من أحداث تبدو فيها أمينة معافاة وسليمة، وفي كل مرة تشفى فيها وتشارك والديها الطعام يعود بنا المخرج إلى مشهدها وهي في السرير الأبيض، فشفاؤها لايتعدى كونه مجرد حلم . وتتوالى الأحداث بذات الوتيرة، وفجأة يكرر المخرج مشهد الحلم بالحياة الهانئة لنورة ووالديها ويعيدنا إلى مشهد البداية، حيث يختتم الفيلم بذات الصورة الغارقة في صوفيتها والضاجة بصخب إيقاعاتها وعلى ذات الشجرة، وكأنه يقول لنا إنه عرفنا إلى قصص كثيرة كانت تختفي وراء الرقص والموسيقى والنظرات الحالمة، تمكن المخرج عبر هذا العمل من سرد مجموعة من القصص عبر صورة واحدة مركزية تتفرع منها مجموعة من الأحلام والعذابات .
شجرة الحياة التي تتمتع بمكانة كبيرة في الثقافة البحرينية كانت حاضرة بقوة بوصفها الملاذ الروحي للزوجين المكلومين بمرض ابنتهما . كانت بالنسبة لهم بمثابة القشة للغريق، كما أنها مركزية بالنسبة لحبكة الفيلم، ففيها يرسم المخرج صورته للحياة في المشهد الذي قدمه لنا في بداية الأمر بسيطاً زاخراً بالتفاصيل التي تناولها الفيلم ليعيد لنا الصورة مرة أخرى بعد أن تعرفنا إلى شخوصها، قصصهم أحلامهم وعذاباتهم عن قرب، فأصبحت علاقتنا بهم أكثر من ذي قبل مدفوعاً بحزنه والأسى الذي يلفه، يجد جاسم نفسه ماضياً في رحلة أمل نحو الشجرة الأسطورية، ليوقظ بها سعادته التي تسربت من بين يديه هو وزوجه "نورة" ليحاولا أن يعيشا حياتهما من جديد .
م . ش





رد مع اقتباس
