-






مفارقات إنقاذ الضاد



*جريدة الخليج



عبداللطيف الزبيدي:

عندما تفشّى في العالم العربيّ الخوف على الضاد من سيادة الدخيل، وتقلّص الإلمام بها لدى الجيل الصّاعد، كتبت مازحاً: إنقاذ العربيّة أم العرب؟ لم أكن أدري أن المأثور لي بالمرصاد: "لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع".


مسار الموضوع واضح، فلنتطرّق إلى أمر مهمّ على صلة وثيقة، ونعود إلى أصل المبحث في الخاتمة. لو سأل سائل: من أهل القلم من يدّعي أنّ مناهج الضاد تورث النفور، فهلا قيل لنا كيف تكون الاستعاضة عنها بتعليم الإحساس بجمال اللغة؟ أم هي نفّاخات خالف تُعرف؟


مبدئيّاً ليس سهلاً على الدماغ العربيّ كنس الأوّل والآخر والبناء من جديد. في حين أرتنا الأيّام ضرورة ذلك في أمور أكبر بكثير وأوسع مدى. وقد أدّى التردّد إلى مواجهة الأمّة خطر الكنس بالكامل. أمور اللغة بسيطة إذاً، إلا على المتقاعسين. عند تحديد الحمولة التي لا ضرورة لها، نجد ركاماً مهولاً من كراكيب النحو والصرف، التي لا يحتاج إليها التلميذ وتشغله عن المقصود. ثمّة آفات نقلها إلينا القدامى وأخذناها بسذاجة. مئات المؤلفات في الإعراب، ظن بعضنا أنها من كنوز التراث. بعضها يتعلّق بإعراب دواوين كاملة، فإلى أيّ درك وصل شأن اللغة وأدبها. ولا عجب من أن ذلك انعكس على شروح القدامى للشعر العربيّ، فجاءت سطحيّة لا علاقة لها بالشعر والشعريّة والشاعريّة. الإغراق في زوائد النحو والصرف، والتقعّر في الإعراب لا يورثان غير فساد الذوق والأسلوب، ويُخرجان للناس أجيالاً تخاف لغتها وتنفر منها، لأن اللعب بها يغدو من المحرّمات. والحلّ بسيط: ما الهدف من كل أطنان تلك الحمولة؟ تقويم اللسان طبعاً. وإذا نحن كلّمنا الطفل منذ البداية بالفصحى، إمّا منذ الحضانة أو تداركنا الأمر ولو متأخّراً؟ عندئذ تبقى المساحة كلّها للإحساس بجمال اللغة.


بداهة، قوّة أيّ لغة من قوّة أهلها. ومن دون معادلة تعجيزيّة: لا يمكن النهوض باللغة العربيّة من دون تحقيق نهضة عربيّة. لأن فرض اللغة وجودها يتوقف على مدى فرض الأمّة وجودها. هنيئاً لأهل خمائل الخيال.


لزوم ما يلزم: التفتّت والتفكّك سيحتاجان إلى إعادة بناء، آنئذ سترون أن نهضة العالم العربيّ ستأتي معها نهضة اللغة. لا ينفصل الرقص عن الراقص.