قصة خبرية

حرم ابنه من هويته خوفاً من السجن




البيان



دخلت إلى مكتب المساعدات القانونية بدائرة القضاء في أبوظبي على استحياء، كانت ملامحها تدل على أنها تود لو تستطيع الخروج دون الإفصاح عن غايتها، فما إن سألتها الموظفة المعنية عن الخدمة التي تطلبها، حتى تلعثمت وطلبت الجلوس. كانت ملابسها وطريقة حديثها تدل على أنها سيدة راقية ومتعلمة، فلما جلست، أخذت في الحديث عن حياتها وسعادتها مع زوجها الذي ارتبط به بعد قصة حب كبيرة، دون أن يتضمن حديثها أي مشكلة، كما هو معتاد من المتعاملين مع مكتب المساعدات القانونية، وفجأة، وبدون مقدمات، سألت عن إمكانية تسجيل ابنها الذي يبلغ السادسة عشرة في السجلات الرسمية.

كان السؤال بحد ذاته غريباً على الموظفة، ويحتاج إلى عشرات الإجابات، قبل أن تعطيها الحل القانوني، فما الذي يمنعها من تسجيل ابنها في السجلات الرسمية، وكيف عاش الفتى حياته دون أن يكون له اسم وهوية ووجود في السجلات الحكومية. وقبل أن ترد الموظفة، بادرت السيدة بالحديث في خجل، وقالت إنها ارتبطت بعلاقة حب مع الرجل الذي أصبح زوجها لاحقاً، ولم تكن علاقتهما في حدود الشرع والدين، بل انجرا بسبب حداثة سنهما في ذلك الوقت إلى الخطيئة التي أثمرت حملاً سفاحاً.

عند ذلك، سارع الشاب إلى خطبة الفتاة التي أحب، ولكن شهور الحمل كانت تسير سريعاً، والمشكلات التي نتجت عن فعلة الشابين، تسير نحو الحلول بشكل أبطأ، وتسببت بأن يأتي الطفل قبل وقته، وكان ذلك بعد زفاف والديه بشهرين فقط، فخشي الأب على نفسه من أن توجه إليه تهمة الزنا، فقام بعمل الإجراءات اللازمة لتتم الولادة في المنزل، وتكتم على الحدث والمولود، ولم يقم بتسجيله في السجلات الرسمية.

مرت السنوات، وأنجب الزوجان المزيد من الأبناء، وقام والداهم بتسجيلهم أصولاً، وحده الابن الأكبر بقي خارج الزمن، فلم يلتحق بمدرسة، ولم يكن له بطاقة هوية أو بطاقة صحية، ولم يتمكن يوماً من مرافقة والديه وإخوته في أي من رحلاتهم خارج الدولة، لعدم حصوله على جواز سفر، فقد كان سر عائلته الذي تخفيه عن العالم. كل ذلك كان بسبب خوف والده من توجيه تهمة الزنا ودخول السجن في حال قام بالإفصاح عن وجود هذا الابن.

كان أول وردة فعل الموظفة، أن تساءلت كيف تحرمان ابنكما من حياته، خوفاً من شهرين في السجن؟!! أي والدين أنتما؟!!

تمالكت الموظفة نفسها، وقالت لها، يا أختي، من قال لكما إنكما ستدخلان السجن إن سجلتما طفلكما، هذه قضية أحوال شخصية، ولن تذهب إلى الجهات الجزائية، كل ما عليك أن ترفعي قضية إثبات نسب على زوجك، ويقوم هو بالإقرار بنسب الطفل إليه أمام المحكمة، وبالتالي، يتم نسبه إليه، واستخراج أوراقه رسمياً.

نكست السيدة رأسها، وقالت إن زوجها لن يقبل، وسيغضب منها إن قامت برفع قضية نسب، وأن الأمر سيتسبب بمشكلة كبيرة بينهما، عندها قالت لها الموظفة، فليغضب وليفعل ما يشاء، هناك مصير إنسان في المقابل، وهذا الإنسان هو ابنك وابنه، ولقد تحمل الكثير بسبب خطئكما، حيث لا ذنب له، وحان الوقت لتتحملا مسؤوليتكما، وتمنحا ولدكما الحياة التي يستحق. عند ذلك، استأذنت السيدة في المغادرة، وفي وجهها علامات تقول إنها لم تأخذ قرارها بعد.