-



مارس عنفوانك


*جريدة الخليج


نور المحمود:

صعب أن تقف على حافة هاوية وتدعي أنك لا ترى الفراغ أمامك وبأن فرضية السقوط ملغية من حساباتك والنجاة مصيرك الوحيد.

صعب أن تدعي البطولة طوال الوقت، وكأن الخوف لا يلامس أطراف أناملك في لحظة ما ويحولها كتلاً زجاجية باردة، وتتسارع ضربات قلبك وكأنه يريد أن يسرع في الهروب إلى ركن آمن خارج صدرك. هذا القلب الذي يهجرنا أحياناً فيرحل إلى حيث الأحبة، يسافر بلا جواز ولا استئذان، بأمر العقل يهرب، يترك البدن وحيداً واقفاً يواجه يومياته وحياته المعتادة، ليطرق أبدان من نحبهم وبيننا وبينهم مسافات. يسكن قلوبهم قليلاً، يستمد الدفء، يضمد جراحه، يكفكف دموعه، ثم يعود إلى قفصه مزوداً بجرعات من الحيوية والحب والأمل.

اكذب إن شئت وادع البطولة، مارس عنفوانك لتُرضي هالتك التي تحب أن ترسمها حول نفسك فيراها الآخرون، يُعجبون، ينبهرون، وربما يحسدون. قل إنك سعيد طوال الوقت، ناجح على مدى الأيام، مستقيم الخطى باستمرار، فوق كل الخطايا وكل زلة قد تستجيب لها النفس البشرية.

مارس عنفوانك، ثم انظر إلى مرآتك. وجهك يكذب أيضاً، شفاهك تبتسم أيضاً، أما عيناك.. ففي المقلتين حديث الروح وأسرارها.

خائف أنت من شيء ما، من موقف ما، من أحد ما. والمشكلة الأكبر، أنك تخاف أن تخاف. تخاف أن تضعف أو تظهر جانب الضعف الذي يسكنك فيراه مَن حولك. وربما أكثر من ذلك، أحياناً تخاف أن ترى ضعفك هذا، وكأنه جزء من ذاتك تريد أن تطمسه، أن تنكر وجوده.

قوي أنت بضعفك، فكلما واجهته تغلبت عليه. قوي بهذه الانكسارات الطفيفة التي تحني ظهرك، فأنت لا ترى أن في الانحناءة منجاة من عاصفة قوية تكاد تطيحك.


قوي أنت بخوفك الذي يزيد من رعشة قلبك، فخفقان القلب يمنحه حياة. مؤلم هو، لكنْ في الألم أحياناً مخاض لولادة جديدة.

انزع القفازات التي لا تفارقك، وامسك براحتيك كل هواجسك ومشاعرك، اقبض عليها وتلمّس ثناياها لتشعر بها أكثر وتصدقها أكثر وتواجهها أكثر.

كن أنت كما هي ذاتك الحقيقية، لا كما تحب لها الظهور أمام الناس وفي المجالس، فالتجمّل مفيد لبعض الوقت، والكبت مضر طوال الوقت.

صادق أنت؟ وأنَّ لنا أن نعرف ما دمت تلبس قناع الفضيلة دائماً، وتبدو مثالياً غالباً. دعك من المجاملات التي تنافق بها نفسك قبل أن تنافق بها الآخرين، فلكل منا مطبّات يعجز عن تجنبها، ولكل مخاوف يكون أجبن من أن يواجهها، ولكل أحلام يستحيل عليه تحقيقها، وكل يقف عند حافة هاويةٍ ما، فيرى الفراغ مستقبله والضباب طريقه الوحيد.