-
25 - 3 - 2016, 07:15 AM
#1
مفاتيح لأسرار المدن
-
مفاتيح لأسرار المدن
*جريدة الخليج
منصور:
كثيراً ما شبَّه الشعراء والرحالة المدن بالنساء، رغم أن هذا التشبيه به إسقاطات نفسية وعاطفية، فما من مدينة يمكن اختزالها إلى صفة واحدة، فلكل مدينة لحظة براءتها في الفجر وصخبها على امتداد النهار، وأخيراً ما تحلم به عندما تنام.
في إحدى الحكايات السويدية ثمة مدينة سرية تصحو عندما ينام الناس، وفيها صبي يتخلق من روحها يعزف على أوتار الليل السوداء ألحاناً شجية، وتتناغم معه حتى الحجارة والشوارع الخالية.
والأدق هو أن لكل مدينة رائحة وروحاً، قد تتسلل الرائحة إلى الزائر لمجرد أن يصل إلى تخومها، أما الروح فهي الإيقاع والنبض، وهما متفاوتان بين مدن قديمة تعج بالأطلال، وأخرى حديثة تعد المغامرين بتحقيق أحلامهم. وقد يكون من المتعذر وليس الصعب فقط أن يفاضل المرء بين مدينة وأخرى، لأن المدن لا تفتح أبواب أسرارها للعابر ولا بد أن تقيم معه علاقة ما ويتخطى سطحها السياحي، لأن لكل حجر ذاكرة ولكل نسمة هواء حكاية.
إن رائحة المدينة من روحها وما يرشح من جدرانها وطرقاتها وحدائقها من ذكريات منها الشجي ومنها المبهج، وكان أول من نبهنا إلى أرواح المدن رحالتنا العرب القدامى، ومنهم من وصل إلى الصين كالسيرافي، وإلى ما كان يسمى بلاد البلغار كابن فضلان، وحين زار رفاعة الطهطاوي باريس لأول مرة موفداً من محمد علي باشا للدراسة فيها أصابته بالذهول، وسجَّل مشاهد، منها ما رآه لأول مرة كمشهد المارة وهم يغطون رؤوسهم بالجرائد تحت المطر، وكذلك أدوات تناول الطعام كالشوكة والسكين، لهذا سمى المدينة التي أدهشته بعوالمها غير المألوفة "الذهب الإبريز"، لكن ما إن تعاقبت الرحلات إلى مدن أوروبا حتى تغير الأمر، فهي مدن فيها ثراء وفقر وعمران شاهق وبيوت صفيح.
وفيها أيضاً ككل المدن حدائق للعشاق، وروضات للأطفال، وسجون، ومحاكم. لكن أكثر مكان ترشح منه رائحة المدينة وروحها هو المتحف، فهو سيرتها الذاتية التي كتبتها خلال عصور، وهناك متاحف ما إن يدخلها الزائر حتى يجد نفسه في زمن آخر، يسمع أصوات الغابرين ويلامس الأشياء الممهورة بتواقيعهم وبصماتهم.
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى