.
الكتابة هي النظافة
*جريدة الخليج
يوسف أبولوز:
نشرت مجلة «صباح الخير» ما سمته عشرين لقطة عن حياة الكاتب المصري إحسان عبد القدوس من بينها هذه اللقطة «لا يكتب أبداً إلا وهو يرتدي حلته كاملة حتى وهو داخل بيته.. بدلة وكرافته وآخر شياكة.. وعندما سئل عن ذلك، قال: إنني ذاهب إلى لقاء حبيبتي - يقصد الكتابة - فلابد من الأناقة».
مثل هذه «الشياكة» كانت أيضاً لمحمود درويش الذي كان لا يكتب إلا وهو يرتدي ثياباً تليق بأمير. ويروى عنه أنه لم يكن يعطي لأحد أسماء المحال التي يشتري منها بدلاته وقمصانه. وكان الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز هو الآخر صاحب «شياكة»، وأحب هذه الكلمة باللسان الشعبي المصري «شيك أوي»، أي في كامل أناقته. وكان عبدالوهاب البياتي في كامل أناقته عندما يأتي مساء كل يوم إلى مقهى الفينيق في شارع «الجاردنز» في العاصمة الأردنية عمان عندما أقام فيها حوالي العامين قبل أن ينتقل إلى دمشق ويموت ويدفن فيها بالقرب من قبر أحد المتصوفين الكبار الذي تمثله في شعره الإنساني الوجودي، ولم أرَ يوماً محمد القيسي بشعره الأشيب الطويل بثياب مهلهلة أو كما يقولون «مجعلكة» ورأيت مرة مظفر النواب في مقهى «الهافانا» في دمشق بثياب بيضاء (قميص وبنطلون) وهو يكتب على ورقة بيضاء بخط صغير منمنم، ورأيت صوراً لميلان كونديرا، ورفائيل البيرتي صاحب ربطة العنق الحمراء، وآخرين من كتاب العالم الكبار كانوا يظهرون فيها «آخر شياكة».
في الستينات والسبعينات من القرن الماضي صعد نجم المثقفين والكتاب والفنانين اليساريين الذين كانوا يفضلون «الكافيار» الروسي على خبز الصاج العربي، وللحق أي البعض (الكثير) منهم يمشون في الطرقات وعلى أجسادهم ثياب مهرّأة وكالحة هذا إن لم تكن ثياب بعضهم لم تعرف الماء ولا الصابون منذ أسابيع، وربما أجسادهم أيضاً، ولماذا يا صاحبي؟ (قال) الهم الطبقي والتعاطف معه ومع «البروليتاريا» المسحوقة، والتضامن مع الشعوب الفقيرة، وأجمل ما كان في هذه الشعوب الفقيرة أنها ترتدي ملابس فقيرة ولكنها نظيفة.
لا أدري لماذا يهمل بعض المثقفين ثيابهم وأجسادهم ويمعن الواحد منهم في معاقبة نفسه وكينونته كي يبدو رصيفياً وضائعاً ومهملاً على مرأى من المارة الشعبيين وهم «شياكة في شياكة» حتى لو كانوا لا يشترون القمصان من مخازن الماركات.
الكتابة، في وجه من أوجهها «شياكة» مقاسات ملائمة. ألوان مفرحة للعين. دقة. وشيء من الخفة الرائعة.. والأهم من كل ذلك، الكتابة هي النظافة.





