حنين إلى الحجر
مقال يوسف أبو لوز
دار الخليج
تتشابه المناخات والظروف السياسية التي تندلع من خلالها الانتفاضات الفلسطينية، وإذا اختلفت الأسباب المباشرة لهذه الانتفاضات فهي اختلافات طفيفة، لكن جوهر هذه الثورات الشعبية هو واحد عبر تاريخ القضية الفلسطينية الأكثر تراجيدية على درب آلام “طوله” أكثر من 60 عاماً.
الانتفاضة الأولى اندلعت في ديسمبر/ كانون الأول عام ،1987 وانتهت في العام ،1993 وكان الحجر علامة هذه الانتفاضة وشارتها اليومية.
المقلاع الفلسطيني كان يلوح في الأفق مثل قوس قزح بأيدي شبّان وشابّات لم يتجاوزوا العشرين من أعمارهم.
دخلت إشارات وعلامات هذه الانتفاضة إلى الشعر وإلى اللغة السياسية، وخلال السنوات السبع التي هي عمر انتفاضة الحجارة، ارتفعت الروح المعنوية العربية من شرق الوطن العربي حتى غربه، وأمكن للفلسطيني المنتفض خلال هذه السنوات تصدير نوع من “الانتفاض” المعنوي والثقافي وحتى السياسي في كيان الشخصية العربية التي كانت تتابع مجريات هذا الحدث وهي مرفوعة الرأس.
في تلك الانتفاضة، كانت مواكب الشهداء صورة مألوفة ويومية في المشهد الإعلامي العربي، وكل شهيد كان يترك رواية بطولته وبسالته للتاريخ، والكثير من هذه الروايات كتبت بدماء أطفال ونساء ورجال كبار في السن.
وكان الضمير الثقافي الإبداعي والعربي عموماً يستقبل هذه البطولات بتضامنات شعبية بدت معها الكرامة العربية في ذروة المجد.
بقي القول إن سبب انتفاضة الحجارة جاء نتيجة قيام “إسرائيلي” بدهس عمّال فلسطينيين على حاجز “ايريز”.
الانتفاضة الثانية اندلعت في سبتمبر 2000 جراء دخول ارئيل شارون إلى المسجد الأقصى، وفي الحال تجمهر عدد من المصلين وتصدّوا له، لكن الأمر لم يقف عند هذه اللحظة، حيث امتدت شرارة انتفاضة الأقصى إلى كل فلسطين، وكانت الآلة العسكرية الصهيونية تمارس أبشع أنواع القمع لمختلف الفئات العمرية المشاركة في الانتفاضة بدءاً من الرصاص حتى تكسير العظام.
ظهر الحجر والمقلاع والإطار المشتعل والشاب الملثم بالكوفية المرقّطة بالأبيض والأسود مرة ثانية، إلى أن ذابت الانتفاضة وانتهت في سنوات لاحقة.
الفلسطيني اليوم على مشارف انتفاضة ثالثة محورها الأقصى أيضاً.. لكن من يؤكد لأي فلسطيني يُقدم على هذه البطولة أن قمع انتفاضته الجديدة المتوقعة لن يكون بنوع من البنادق الفلسطينية، التي تقاعدت عن الثورة لترتد ثانية على الثورة.





رد مع اقتباس
