.



مرضى كتابة


*جريدة الخليج


يوسف أبولوز:

روايات الكاتب السوري حنّا مينة تقول لك إنه بحّار عتيق، ورجل موانئ لوّحت بشرته الشمس، وإذ يقال إن الحلّاقين حكّاؤون إلى درجة الثرثرة، فإن حنّا مينة نقل الحكي إلى أعلى ذرا السرد في أعمال قرأناها بشغف، وتعلمنا منها كيف تتحول الشجاعة إلى بطولة وروح إنسانية عالية تحب الحياة في معناها النبيل، والحلّاق الذي صار روائياً، يقابله بائع زجاجات بيبسي كولا كولمبي تائه وفقير في شوارع باريس، وقبل ذلك كان صحفياً يعرف جيداً من أين تؤكل «كتف» التحقيق الصحفي كي يتحوّل في ما بعد إلى رواية.. والصحفي بائع الزجاجات الشغوف برائحة الجوافة غابرييل غارسيا ماركيز سوف يترك كل حياته وراءه على شكل مذكرات بعدما جلس على كرسي نوبل وهو يدخّن السيجار الكوبي وقد ارتدى بدلة بيضاء، وإلى جواره «مرسيدس» زوجته، وليست السيارة الألمانية.


خوسيه ساراماغو قبل أن يجلس على الكرسي السويدي، كان صانع مفاتيح.. حدّاد برتغالي تعلّم فن الرواية عند الأربعين من عمره، ولكنه كان يصنع الروايات على العكس من طرق الحدّادين في تحويل المعدن الصلب إلى نوافذ وأبواب.


كان الشاعر الفلسطيني رزق أبو زينة «مكوجي» ثياب في أحد الدكاكين البسيطة في العاصمة الأردنية عمّان، وكلّما سقطت من جيبه نقطة عرق على قميص.. تحوّل القميص إلى قصيدة، وأعرف شعراء حفيت أقدامهم وهم في الحقول والغيطان وبيادر القمح والشعير، وإلى جانبهم زملاء عمل كانوا رعيان قطعان ماعز في الجبال التي تعلّم الفتيان كيف هم رجال قبل الأوان.


الكثير من الكتّاب العرب، وغير العرب وصلوا إلى المجد الأدبي، والبعض منهم عاش بكرامة من وراء قلمه، ولكن قبل ذلك كانوا تحت خط الفقر، ليكسروا بعد ذلك هذا الخط إلى الأبد.


من حارس بوّابة مبنى أو عمارة، إلى حجّار يعمل في الكسّارات، إلى نادل يغسل الصحون في مطعم في الليل وقد أنهى دروسه الجامعية في النهار، إلى عامل يشق بفأسه التراب، ويحمل على كتفه صفائح «الباطون».. ثم أخيراً.. إلى الكتابة.


الكتابة رزق وهدية وامتياز، وفي قلب الكتابة معنىً آخر في ثلاث كلمات: الصبر.. المحبة.. الصدق، والكلمات الثلاث كما لو أنها مهن ثلاث:.. الحرّاث الصبور على نعمة الأرض، والخيّاط الذي يحب القماش، والشاعر المريض بالكتابة.


أجمل الحرفيين في العالم.. مرضى كتابة.