أميركا اعترفت بمقتل 600 ألف شخص خلال غزو العراق.
يقول الناس عادة إن التاريخ سيقول رأيه في أي حدث، ولكن بالطبع فإن ذلك لن يحدث. ولكن ما يقصده هؤلاء أن مؤرخي المستقبل سيحكمون على الزمن الذي نعيش فيه وسيطرحون جميع الافتراضات على أساس أن الأحداث يمكن مشاهدتها بصورة أوضح عن بعد.
ولكن بالنسبة لي فإني اعتقد أن آراء الناس مختلفة حسب الزمن، اي أن ما يعتبر صحيحاً اليوم لا يمكن ان يعتبر كذلك في وقت مختلف، وهو خطأ شنيع نرتكبه في حياتنا خصوصاً اذا تعلق بموضوع مثل المعاناة البشرية التي عادة لا تحظى بالاهتمام المناسب. واذا أخذنا مثلاً جثث 55 شخصاً من الفايكنغ تراوح أعمارهم ما بين 17 و25 عاماً تم استخراجها بالقرب من مدينة ويموث البريطانية أخيراً، وكان الشبان الصغار منهم قطعت رؤوسهم على ما يبدو من قبل الانغلو ساكسون. وربما في يوم مجزرة القديس برايس عام 1002 عندما انتهك الملك البريطاني ايثيلريد الهدنة وأمر جنوده بذبح أي شخص من الفايكنغ يمكن ان يجدوه. وهو ما يعتقد مؤرخو اليوم أنه قد أثار نقمة الشعوب الاسكندنافية وأدى الى قيام الفايكنغ باحتلال بريطانيا عام .1013 ولكن القبور الجماعية من تلك التي يمكن ان نجدها بسهولة في البوسنة ورواندا يمكن ان تحكي قصة مختلفة عن اعمال رعب ومعاناة حدثت، حيث تمت تعرية الشبان الصغار (لم يجد خبراء الآثار ملابس على اجسام الجثث المدفونة) وأمروا بمواجهة جلاديهم قبل أن يتم قطع رؤوسهم، بعد ذلك تم التمثيل بجثثهم. ويصبح الألم والمعاناة أقل اهمية مع مرور الزمن، وهي مسألة مهمة عندما نفكر بموضوع حرب العراق، التي بدأت قبل سبع سنوات، إذ إنه من الآن بات هناك تنافس على رسم شكل محدد عن هذه الحرب لمؤرخي المستقبل، وثمة محاولة تجري الآن للترويج لعدد معين للضحايا الذين قضوا في هذه الحرب.
وفي عام 2006 أعلن فريق من المسؤولين الأميركيين والعراقيين انه قتل نحو 600 ألف شخص خلال الغزو الاميركي، ولكن هذا الرقم تعرض للتغيير صعوداً و نزولاً.
وكتب نيجل بيغار استاذ علم الدين الأخلاقي والكهنوتي في جامعة اكسفورد في صحيفة «فاينانشال تايمز» كبرهان على الطبيعة الشريرة لغزو العراق «يقوم النقاد باستحضار عدد الوفيات من المدنيين، ويقولون انه ما بين 100 و150 الفاً».
ولا أستطيع أن أجزم ما هو عدد الأشخاص الذين قتلوا في هذه الحرب، ولكن اعتقد ان الرقم كبير.
ويبدو أنها اصبحت قضية الرصانة الأكاديمية أن نضع المعاناة في مكانها وبالتالي فإننا يمكن ان نفهم مسيرة التاريخ بصورة افضل. وهي الخطوة الأولى في جدال الاستاذ الجامعي كي يثبت ان الغزو كان حرباً عادلة.
وبالنظر الى الرقم 600 الف فإنه اكثر سهولة القول انها كانت «ضرورية كي تمنع وقوع شرور اكبر».
ومنذ الانتخابات العراقية الأسبوع الماضي، حيث صوت اكثر من 60٪ من العراقيين المؤهلين والبالغ عددهم 19 مليون عراقي ما انفك الذين صفقوا للحرب يصرخون بأعلى صوت لهم «انتبهوا فالديمقراطية ناجحة، والحرية تتجذر هنا»، وعلى الرغم من انفجار القنابل الاسبوع الماضي وادعاء البعض ان الانتخابات شابها بعض التزوير، فإن شعور انصار الحرب بالنصر يمثل تحدياً كبيراً للذين كانوا معارضين للحرب، حيث يقول هؤلاء بسخرية مهينة ان عدداً كبيراً من الناس قتلوا، ولكن هل تفضلون لو أن الرئيس العراقي صدام حسين لايزال في السلطة، ويقتل اعداءه و يعذبهم؟
وبالطبع فإن الوحيدين القادرين على تقديم الإجابة عن هذا السؤال هم العراقيون أنفسهم. ولا ينبغي ترك حساب نسبة المعاناة على النتيجة الديمقراطية لمراقبين بعيدين أمثال ديفيد ارونوفيتش من صحيفة «التايمز» الذي يقول إن الانتخابات هي «معجزة دموية»، ويؤكد دعمه للحرب. ويمكن القول إن التدخل لمصلحة البشرية مسألة مرغوب فيها تماماً كما فعلت بعض الدول خلال الحرب الأهلية في البوسنة والهرسك. ولكن الفرق الكبير بين هذه الحرب وما حدث في العراق، انه قيل لنا بأن هذه الحرب من أجل الدفاع عن النفس وللقضاء على الترسانة النووية لصدام حسين. ولم نكن ذاهبين لانقاذ المظلومين من الشعب العراقي، أو حماية الأكراد أو تأسيس الديمقراطية في العالم العربي.






رد مع اقتباس


