.









حنين إلى الورّاقين




*جريدة الخليج




يوسف أبولوز:


على رغم «هجرة» الكثير من الكتّاب إلى «الطباعة على الكمبيوتر»، ولا أسمّيها كتابة، فإن هناك من ما زال يكتب على الورق، وكعادة نسّاخي الأربعينات والخمسينات، ما زال هؤلاء يسكنون، مجازاً، في الورق وفي الحبر، وعلى عاتقهم تعيش المخطوطات إلى اليوم.


هل يقضي أو قضى «الكمبيوتر» على المخطوط؟.. نعم يجري ذلك اليوم في زمن هجوم الكتابة الرقمية على الكتابة الورقية، ولكن، تنجو دائماً من هذا الهجوم «ورقيّات» الكاتب بأحبارها السائلة وخطوطها النسخية والرقعية (من خط الرقعة)، فتتحوّل الورقة إلى مخطوط، ومن جانب آخر، فالكتابة على الورق أكثر أماناً للمادة المكتوبة وأكثر ضماناً لبقائها في الأدراج والصناديق والخزائن العابقة برائحة الحبر.


الكتابة على الورق تأخذنا أيضاً إلى خطوط الكتّاب ورسمها التشكيلي، وما تعكسه من طبيعة للكاتب ونفسيته، وهناك من يجتهد فيقرأ دواخل وأعماق الكاتب من خلال طبيعة خطّه.


هناك من يكتب على ورق مسطور، وهناك من يكتب على ورق أبيض بلا سطور، الأمر الذي يوفّر نوعاً من الحرية في الكتابة، كأن الورق المسطور يجبر الكاتب على «السير» في اتجاه واحد مستقيم، فيه شيء من الرتابة والتكرار، أما الكتابة في حدّ ذاتها فهي الحرية الوحيدة المتحققة على الورقة، والكاتب خطّاط على نحو ما، حتى لو كان خط يده رديئاً، ولعلّ الكثير من الكتّاب أصحاب الخطوط الرديئة، وجدوا في الكتابة الكمبيوترية الورقية، منجاة لهم من خط رديء غير مقروء، ولكن جمالية المخطوطة تكمن في الخط نفسه سواءً أكان مقروءاً أم كان صعب القراءة، وتظهر جمالية المخطوط في الورق وعمره وتركيبه ومرونته، هذه المادة الهشّة الشفافة التي تعمّر وتدوم كلما تشبّعت بالحبر.


يشد الحبر من أزر الورق ويقوّيه ويعطيه صورته التشكيلية، وبكلمات ثانية يمكن النظر إلى المخطوط بوصفه عملاً فنياً يكتسب قيمته المادية مع مرور الزمن، إلى جانب قيمته التوثيقية والتاريخية.


ينطوي المخطوط، أيضاً، على ما يمكن أن تحيله الذاكرة من تداعيات، فالمخطوط «بيت» بين الكتابة، والكتابة فضاء مفتوح للذاكرة كما هي فضاء آخر للتأمل.


هذه الجماليات كلّها، وهذه التشكيلات الخطية الحبرية الورقية تهدّها الطباعة الرقمية أو الكتابة الرقمية، مع أن النقرات على الحروف، مرة ثانية، هي فعل طباعة، وليست فعل كتابة.


واليوم، الكثير من الشعراء بشكل خاص يكتبون قصائدهم على الورق، ثم ينقلون الكتابة إلى طباعة، وأوراقهم المكتوبة «المعطّرة» بالحبر هي ما يمكن أن يتبقّى من عائلة المخطوطات.


هل تحمل هذه الكتابة في نسيجها نوعاً من الحنين إلى زمن الورّاقين والنسّاخين أصحاب الورق والأحبار؟.. ثم ولو كانوا على قيد الحياة.. تراهم يطبعون أم يكتبون؟.