.
ما لا نعرفه عن بيكاسو
*جريدة الخليج
يوسف أبولوز:
كُتِبَ عن أسطورة الرسم بابلو بيكاسو عند العرب أكثر ممّا كتب عنه في إسبانيا. ودائماً، ثمة ما نعرفه، ربما، للمرة الأولى عن هذا الفنان ذي العينين الخارقتين، والجسد الملموم كأنه حجر أو زوبعة.
رسام أسطوري تُبْنى على حياته أكثر من رواية، ويُصنع من سيرته أكثر من فيلم، وهو ذاته لوحة متحوّلة أو متحرّكة، وما لا نعرفه عن صاحب «الجرنيكا» نعرفه عند حسن فؤاد في كتابه الجميل «بيكاسو.. معجزة الفنان والرجل».
يذكر على سبيل المثال أن بيكاسو رفض عندما غادر بطن أمّه أن يتنفس، واضطر عمّه الطبيب، كما يروي بيكاسو نفسه، أن ينفث في وجهه سحابة كثيفة من دخان السيجار. وعندئذ فقط تحرّك وجه بيكاسو الميّت، وعلا صوته بالبكاء. ويقول المؤلف إن بيكاسو تعلم الرسم قبل القراءة، وتقول أمّه إن أوّل لفظ نطق به وهو طفل كان «بيز.. بيز» من كلمة «لابيز» أي قلم رصاص بالإسبانية، وإنه ملأ ألوف الأوراق بشخبطاته الأولى بقلم الرصاص حتى سن السابعة.
كان والده يربّي في منزله طيور الحمام، فكانت الحمامة من أول رسوماته، ومن محيطه رسم في شوارع مالاجا، كما يقول المؤلف، الحصان والجحش الصغير.
يمر الشعراء والروائيون بما يُسمّى المراحل الفنية، كأن يبدأ الشاعر، مثلاً، بالمرحلة الرومانسية أو الغنائية، فيتحوّل بعد فترة إلى الواقعية أو التجريدية أو الرمزية. وبالنسبة إلى بيكاسو، فقد مرّ بمراحل عدّة، أبرزها المرحلة الزرقاء. يقول حسن فؤاد: كان بيكاسو في المرحلة الزرقاء يعيش فقيراً «من يصدّق أن بيكاسو كان فقيراً؟؟» مثل التعساء الذين كان يرسمهم في لوحاته، وكان يبيع بعض الصور القليلة لبائع شهير اسمه فولارد.
فان جوخ هو الآخر عاش فقيراً بائساً على شفير الجنون دائماً إلى درجة أن قطع أذنه ذات يوم في نوبة عصبية مدمّرة، ولكن هذا البائس أصبحت لوحاته بالملايين، ولكن متى؟ بعدما أصبح تحت التراب، أما بيكاسو، فقد رأى مجده بعينيه: أسطورة، عبقرية، مال وشهرة طاغية.
تحوّل بيكاسو بعد المرحلة الزرقاء إلى المرحلة الوردية بعدما عرف الحب للمرة الأولى مع امرأة تدعى فرناند أوليفييه التي رسمها في باريس، وقد استأجر فيها أوّل استوديو له.
كتب بيكاسو الشعر، ولكن كانت قصائده «محشوّة بأخطاء في اللغة، وفي النظام». ويبدو أن النظام الوحيد الذي بلا أخطاء عند بيكاسو هو الرسم.
يرسم بجنون وغزارة: رسم الماعز، وجمجمة الماعز، رسم الكمنجات، والمهرّجين، والنساء، والقدّيسين، والزهور، والممثلين، والرجال. ومن غرائب هذا الرجل المعجون بالألوان والضوء والظلال ما ذكره حسن فؤاد عن أنه في إحدى فترات الغداء على مائدة بيكاسو أمكن للمصور دانكان أن يلتقط قصة سمكة كان بيكاسو يأكلها بشغف ولذة، ثم قام بضغط هيكلها العظمي على مادة الصلصال ليطبعها بعد ذلك على أحد الأطباق الخزفية قبل أن يدفع بها إلى الفرن.
رجل معجزة.. كل يوم كان «يكتب» رواية، لكن، بالرسم.





رد مع اقتباس