النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: الهوة التي يصعب ردمها

العرض المتطور

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    الهوة التي يصعب ردمها


    الهوة التي يصعب ردمها
    مقال شوقي بزيع
    الملحق الثقافي / دار الخليج




    يتحدث ميلان كونديرا في روايته “الجهل” عن مواطنيه التشيكيين الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم في الحقبة الشيوعية والإقامة في دول أوروبا الغربية هرباً من النظام الشمولي المهيمن على بلاده، كما على كل أوروبا الشرقية في العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، لم يكن الظمأ إلى الحرية هو الدافع الوحيد الذي يقف وراء رغبة الناس في مغادرة وطنهم، بحسب كونديرا، بل البحث عن لقمة العيش وتوفير فرص أفضل للعمل وتحقيق الطموح الفردي وبخاصة ما تعلق منه بالثقافة والأدب والفن، حيث كانت مدينة كباريس تغص بآلاف الوافدين من كل جهة وصوب، حيث يبدو القادم إليها من شرق أوروبا كأنه قادم من ريف العالم إلى عاصمته الأم .




    لكن بيت قصيد الرواية ليس هنا بالذات بل في تلك الهوة الشاغرة التي يتركها المهاجرون وراءهم حين يذهبون بلا عودة أو حين لا يعودون إلا في نهاية العمر، فكونديرا لا يحرص هذه المرة على متابعة حياة أبطاله في المهجر أو المنفى الاختياري، بل على تفحص تلك الفجوة الزمنية العصية على الردم التي تقوم بين السكان المقيمين في بلداتهم وقراهم الأصلية وبين أولئك المهاجرين الذين يخطر لهم أن يعودوا إلى بلداتهم بعد طول انقطاع بدافع الشوق والحنين إلى مسقط الرأس، أو بدافع تصريف الأعمار المتبقية قبل أن يضرب الموت ضربته الموجعة، فما يحدث آنذاك هو أمر غريب ومحيّر بالفعل، ذلك بأن ذوي العائدين وأصدقاءهم السابقين، ومواطنيهم بوجه عام، يتعاملون مع هؤلاء الذين غادروهم لسنين طويلة بالكثير من التوجس والحذر من جهة وبشيء من العطف والإشفاق من جهة أخرى، أما التوجس والحذر فهما ناجمان عن كسر السكينة والانسجام اللذين يتمتع بهما المجتمع الأهلي المحلي حيث العلاقات مرتبة وفق نظامها اليومي الرتيب وقواعدها المألوفة . فالوافد من الخارج حتى لو كان من أهل البيت في الأصل يبدو أشبه بالعضو الطارئ المزروع في غير جسمه ويحتاج الجسم الأهلي إلى فترة من الزمن للتكيف معه مرة ثانية . ثمة أمر ثان يتعلق بالتهجين الثقافي والاجتماعي الذي يصيب المهاجرين في العادة بحيث يصبح سلوكهم ومفاهيمهم ولكنتهم مزيجاً غريباً من التقاليد الأصلية والتقاليد المكتسبة، وهو أمر لا يبعث على الاطمئنان لدى المقيمين المتمسكين بعاداتهم وثقافتهم حد التعصب .




    أما الإشفاق فمبعثه، وفق كونديرا، إحساس المقيمين بأنهم يقبضون على ناصية المعرفة مكتملة غير منقوصة أو مشوشة باعتبارهم لم يغادروا بلدتهم على الإطلاق ولم يفتهم من تاريخها وذاكرتها الجمعية ما يمكن أن ينغص عليهم هناءة الإحساس بالطمأنينة وراحة الضمير والالتحام بالمكان، لذلك فهم يشفقون على مواطنيهم العائدين في خريف العمر لأن هؤلاء الأخيرين بابتعادهم طويلاً عن بلداتهم وقراهم عرضوا ذاكرتهم للكثير من الفجوات والثقوب التي يستحيل ردمها بعد ذلك، ولن تنفع المهاجرين آنئذ شهاداتهم وكفاءاتهم العلمية والأدبية لأن ما خسروه من ذاكرة مواطنيهم الجمعية هو أهم من الشهادات بكثير . وتبعاً لذلك فإن المقيمين لا يكترثون كثيراً لعودة من يعودون، بل سرعان ما يغتابونهم في الجلسات الحافلة ليشرعوا بأحاديث متصلة بشؤون القرية وأحوالها وشجونها المحلية التي تشعر الوافدين بوطأة “الجهل” الذي يعانون منه بحكم ابتعادهم عن مسقط الرأس .




    لن يكون علينا نحن الذين اختبرنا هذه التجربة بأنفسنا أن نتمحص طويلاً في أقوال الكاتب التشيكي الشهير لكي نتيقن صحة آرائه وملاحظاته حول الوطن والمنفى، فأولئك الذين يعودون إلى بلدانهم وكنف آبائهم وأجدادهم بعد سنوات طويلة من الهجر لن يفلحوا مهما بذلوا من جهود مضنية في الاندماج الحقيقي بالمحيط الاجتماعي الذي انبتوا عنه منذ زمن الصبا .


    وأغلب الظن أنهم يعون تماماً تلك المأساة التي اختبروها مرات ثلاث على الأقل: الأولى حين فطموا عن ترابهم الأم، والثانية حين اصطدموا بالعالم الجديد الذي ارتحلوا إليه، والثالثة حين حاولوا عبثاً أن يرتقوا عبر عودتهم إلى الوطن الشروخ العميقة التي لا سبيل إلى رتقها إلا بالموت، حيث تخاط أجسادهم بالأرض على طريقة أبي العلاء المعري: “جسدي خرقة تخاط إلى الأرض فيا خائط الخلائق خطني”، لذلك فأغلبهم لا يرتجون من عودتهم شيئاً يذكر سوى تزجية الوقت، ولو بكثير من الوحشة، بانتظار لحظة الاستحقاق الأخيرة .




    أما نحن الذين غادرنا قرانا وبلداتنا منذ يفاعتنا المبكرة باتجاه العواصم التي نَشَدْنا من خلالها العلم والثقافة ولقمة العيش وتحقيق الذات فلن يكون نصيبنا أوفر حظاً من الذين ذهبوا إلى المهاجر البعيدة، يكفي أن نحدق في عيون البشر الذين نلتقيهم لدى زياراتنا المتباعدة إلى قرانا لكي نرى فيها كل علامات التعجب والاستفهام والاستهجان، فخارج الطقس والسياسة والمجاملات العابرة لا يسود سوى التأتأة والصمت والمرور الثقيل للزمن .




    كأن ثمة فجوة زمنية ونفسية واسعة تفصل بيننا وبينهم ونترك الذاكرة عاجزة وغير قادرة على وصل ما انقطع . ولن تفلح البيوت التي نبنيها في قرانا زمن الكهولة، والتي تشبه الاعتذار عن الغياب، في إنهاء سوء التفاهم العميق بيننا وبين بيئتنا الأولى، لن تكون تلك البيوت سوى قبور مقلوبة لا يفصلها عن القبور الحقيقية سوى بضعة أمتار .

  2. #2
    مدير التغطيات والفعاليات الصورة الرمزية RAKBOY783
    تاريخ التسجيل
    3 - 12 - 2008
    المشاركات
    42,942
    معدل تقييم المستوى
    20

    رد: الهوة التي يصعب ردمها

    تسلمين ع الطرح

  3. #3
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: الهوة التي يصعب ردمها

    شاكرة ارتشافاتكـ الادبية،،
    دمت بسرور،،

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •