.





جريدة وقطار ومساحة للركض




*جريدة الخليج




يوسف أبو لوز:


ورق أصفر عتيق وَجَده في لفافة من أوراق جرائد أوائل ثمانينات القرن العشرين، عندما كان هو في العشرين.. شباب خفيف، وراحة بال، وجرأة على الحياة، والأجمل، الجرأة على الكتابة.


جريدة الجزيرة الصادرة في الرياض 22 يونيو 1983، وفي الصفحة الثقافية عمود بعنوان «مساحة للركض».. كتابة مشتركة صنعها كاتب هذه السطور، والشاعران السعوديان محمد الدميني، ومحمد عبيد الحربي. المادة بالحجم الصحفي عمودان على طول الصفحة، وجاءت تلك الكتابة في ثلاثة أجزاء، وبلغة الصحافة اليوم فإنها في نحو 1500 كلمة، وآنذاك في الثمانينات لم تكن الكتابة تُحسب بالكلمات، بل اكتب كأنك نهر..المهم الكتابة وليس عدد الكلمات.


اليوم يطلب من الصحفي عدد محدّد من الكلمات، بل إن بعض المحررّين يسأل رئيسه كم كلمة يريد لزوم تغطية خبرية.. لماذا؟ قلّ الورق وكثرت الكلمات. لا بل كثر «الكمبيوتر» الذي يحدّد للجريدة هوية الصفحة الجمالية والتشكيلية والإخراجية، وقد كان المخرج الصحفي في ذلك الزمان البعيد، الستيني والسبعيني والثمانيني فنّاناً، وقارئاً، ومثقفاً، هو من كان يختار «السكتش» أو الصورة أو الرسمة المناسبة للقصيدة.


كان «مانشيت» الصفحة الأولى من حصّة خطّاط محترف في الجريدة، ولا بأس أن تكون العناوين الفرعية من نصيب خط الرقعة.


كانت الحروف تُصف بأيدي عمّال المطبعة. كان عمّال مطبعة جريدة اليوم في الدمّام معطرّين دائماً بحبر أسود على ثيابهم، وعلى أصابعهم، وكانت مطابع الجرائد أشبه بالمطابخ وأقبية المؤونة. زمن ستيني، سبعيني، ثمانيني.. انتهى، وحلّ محلّه زمن الكمبيوتر، الأسرع، والأنظف، والأكثر دقّة.. ولكن، هل هو كذلك فعلاً؟ الدقة الوحيدة في مهنة الصحافة ويجب أن تكون كذلك، هي دقة قسم التصحيح. هذا القسم الذي يُسمّى قلب الجريدة، ولولا المصحّح لكانت المادة «شوربة» على أيدي بعض المحررّين.


تحية لكل من ينظف اللغة من القش، والحصى، والزؤان. ويقال إن غسان تويني أحد أعمدة الصحافة العربية، كان يعتبر قسم التصحيح في «النهار» الأول قيمة صحفية، وأدبية، وثقافية.


.. يا الله، ما الذي يفعله في الإنسان مجرّد لفافة ورق جرائد صفراء تعود إلى العام 1983.. أهي كل هذه التداعيات، وكل هذا الحنين؟


نعم.. إنه الحنين إلى أصدقاء الثمانينات في السعودية: محمد الدميني، علي الدميني، محمد العلي، صالح العزّاز، محمد جبر الحربي، محمد عبيد الحربي، محمد الثببتي، عبد الله الصيخان، سعد الدوسري، خديجة العمري، عبد الرؤوف الغزال، عتيق الخماس، مطلق العنزي، وغيرهم ممّن تعلّمت منهم كيف تكون الكتابة مساحة للركض، وكيف تكون الكتابة صداقة وذاكرة.


نسيت صديقاً آخر، رأيته للمرة الأولى.. ذلك القطار العجوز، جار جريدة «اليوم» في الدمّام، وعندما كان يترك محطّته يُصوّب بخاره إلى الرياضْ.